تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
قدرها . * ( وكُلًّا ) * أي : كل واحد من الفريقين المجاهدين والقاعدين ( وعد اللَّه الحسنى ) . وقوله * ( وفَضَّلَ اللَّه الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ ) * عطف على ما قبله * ( أَجْراً عَظِيماً ) * . ثم قال : ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة . وتقييده تارة بدرجة وتارة بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه . إما لتنزيل الاختلاف العنواني بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتي تمهيدا لسلوك طريق الإبهام ثم التفسير . . . وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين والدرجة والدرجات « 1 » . وقد حكى الإمام القرطبي هذين الوجهين فقال : قوله - تعالى - * ( فَضَّلَ اللَّه الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً ) * وقد قال بعد هذا : * ( دَرَجاتٍ مِنْه ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً ) * فقال قوم : التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد . وقيل : فضل اللَّه المجاهدين على القاعدين من أولى الضرر بدرجة واحدة . وفضل اللَّه المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات « 2 » . والذي نراه أولى من هذين القولين قول من قال بأن اللَّه - تعالى - فضل المجاهدين على القاعدين بعذر بدرجة ، وفضل المجاهدين على القاعدين بغير عذر بدرجات ، وذلك لأن هذا التفسير هو المأثور عن ابن عباس وغيره من الصحابة . فقد قال ابن عباس في قوله - تعالى - * ( فَضَّلَ اللَّه الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً ) * أراد بالقاعدين هنا أولى الضرر « 3 » ولأن القاعدين بعذر وإن كان لهم من حسن النية ما يرفع منزلتهم إلا أن المجاهدين الذين باشروا الجهاد وعرضوا أنفسهم لأخطار القتال يفوقونهم منزلة وأجرا . وهذا ما يقتضيه منطق العقول البشرية ، أما عطاء اللَّه بعد ذلك لكل فريق فمرجعه إليه وحده على حسب ما تقتضيه حكمته وسعة رحمته . هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أن الجهاد من أفضل الأعمال وأن المجاهدين لهم عند اللَّه - تعالى - منازل عالية . ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « إن في الجنة مائة درجة أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيله . بين كل درجتين كما بين السماء والأرض . فإذا سألتم اللَّه فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة ومنه تتفجر أنهار الجنة » .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 5 ص 123 ( 2 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 244 ( 3 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 415
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 273 | سيد محمد طنطاوي