تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
لا من قبل الورثة ولا من قبل الأوصياء ولا من قبل غيرهم وعلى هذا المعنى يكون لفظ الإيتاء قد أول بلازم معناه وهو الحفظ والرعاية لمال اليتامى ، لا تسليم المال إليهم لأنه من المعروف شرعا ألا يسلم المال إليهم إلا بعد البلوغ ، إذ هم في حال الصغر لا يصلحون للتصرف . ويكون هذا التعبير من باب الكناية بإطلاق اللازم - وهو الإيتاء ، وإرادة الملزوم وهو الحفظ ، أو من باب المجاز بالمآل إذ الحفظ يؤول إلى الإيتاء . ويرى بعضهم أن المراد باليتامى هنا الكبار الذين أونس منهم الرشد وأن المراد بالإيتاء دفع أموالهم إليهم على سبيل الحقيقة . ويكون التعبير عنهم باليتامى - مع أنهم كبار - باعتبار أن اسم اليتيم يتناول لغة كل من فقد أباه ، أو باعتبار قرب عهدهم بالصغر ، أو باعتبار ما كان أي الذين كانوا يتامى . قالوا : وفي التعبير عنهم باليتامى مع أنهم كبار ، إشارة إلى وجوب المسارعة في تسليم أموالهم إليهم متى أونس منهم الرشد ، حتى لكأن اسم اليتيم ما زال باقيا عليهم ، غير منفصل عنهم : ويبدو لنا أن الرأي الأول أولى ، لأن الأمر بدفع أموال اليتامى إليهم . بعد بلوغهم قد جاء صريحا في قوله - تعالى - بعد ذلك : وابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ . فكان حمل الآية التي معنا على أن المراد باليتامى : الصغار ، وبإيتاء أموالهم حفظها لهم ، أولى وأقرب إلى المنطق ، لأنه على الرأي الأول يكون الأمر وما يذكر به تأسيسات أحكام ، وعلى الرأي الثاني يكون ما في الآية الثانية مؤكدا لما في الآية التي معنا . والتأسيس أولى من التأكيد . ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك في الآية التي معنا * ( ولا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ) * - إنما هو تحذير للأوصياء والأولياء من الطمع في مال اليتيم أو إضاعته ما دام المال في أيديهم واليتيم في حجرهم ، وهذا يؤيد هذا الرأي الأول القائل بأن المراد باليتامى : الصغار ، وبإيتاء أموالهم : حفظها ورعايتها حتى تسلم إليهم عند بلوغهم كاملة غير منقوصة . وقوله * ( ولا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ) * معناه : لا تجعلوا رديء المال لهم بدل الجيد ، بأن تأخذوا لأنفسكم كرائم الأموال ونفائسها ، وتتركوا لهم الخسيس منها . قال القرطبي : وكانوا في الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى فكانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى ويبدلونه بالرديء من أموالهم ويقولون اسم باسم ، ورأس برأس ، فنهاهم اللَّه عن ذلك . وهذا قول سعيد بن المسيب والزهري والسدي والضحاك وهو