تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
وحده ومع أموالهم فلم ورد النهى عن أكله معها ؟ قلت : لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم اللَّه من مال حلال - وهم مع ذلك يطمعون فيها - كان القبح أبلغ والذم أحق ، ولأنهم كانوا يفعلون ذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم » « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : * ( إِنَّه كانَ حُوباً كَبِيراً ) * . والحوب : اسم مصدر من حاب يحوب حوبا : إذا اكتسب إثما . يقال : فلان يتحوب أي يتأثم . والحوباء : النفس المرتكبة للإثم . ويقال في الدعاء : اللهم اغفر حوبتي ، أي إثمي . وأصله الزجر للإبل ، فسمى الإثم حوبا لأنه يزجر عنه وبه . والضمير في قوله * ( إِنَّه ) * يعود إلى أكل مال اليتيم بأي طريق محرم . والمعنى : إن أكل مال اليتيم بأي طريقة من الطرق المحرمة كان إثما كبيرا ، وذنبا عظيما ، لأن هذا الأكل اعتداء على نفس ضعيفة فقدت من يعولها ومن يدافع عنها ، ومن اعتدى على نفس ضعيفة ، وضيع حقها ، وخان الأمانة كان مرتكبا لذنب عظيم يؤدى به إلى العقوبة والعذاب الأليم . والجملة بمنزلة التعليل للنهي عن أكل مال اليتيم ، وعن الطمع بدون وجه حق فيها . ثم شرع - سبحانه - في نهيهم عن منكر آخر كانوا يباشرونه فقال - تعالى - : * ( وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ) * . وقوله * ( وإِنْ خِفْتُمْ ) * شرط ، وجوابه قوله * ( فَانْكِحُوا ) * . والمراد من الخوف : العلم ، وعبر عنه بذلك للأشعار بكون المعلوم مخوفا محذورا . ويقوم الظن الغالب مقام العلم . وقوله * ( تُقْسِطُوا ) * من الإقساط وهو العدل . يقال : أقسط الرجل إذا عدل . قال - تعالى - : وأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ويقال : قسط الرجل إذا جار وظلم صاحبه . قال - تعالى - أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً . والمراد « باليتامى » : يتامى النساء . قال الزمخشري : ويقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة . ومعنى * ( ما طابَ لَكُمْ ) * ما مالت إليه نفوسكم واستطابته من النساء اللائي أحل اللَّه لكم نكاحهن .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 465 .