وقوله : * ( إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ) * استثناء من الضمير المنصوب في قوله * ( فَخُذُوهُمْ واقْتُلُوهُمْ ) * .
وقوله * ( يَصِلُونَ ) * بمعنى يلتجئون ويتصلون . الميثاق العهد الموثق .
والمعنى : أن اللَّه - تعالى - يأمركم - أيها المؤمنون - أن تأخذوا وتقتلوا أولئك المنافقين الذين أظهروا كفرهم وتمنوا أن تكونوا مثلهم ، وامتنعوا عن الهجرة إلى دياركم ، وينهاكم عن موالاتهم وعن الاستعانة بهم ، لكنه - سبحانه - قد استثنى من هؤلاء الذين أمركم بأخذهم وقتلهم أناسا التجأوا واستندوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان ، لأنهم بهذا الالتجاء قد صار حكمهم كحكم من لجئوا إليهم من حيث الأمان وعدم الاعتداء .
وقد ذكر العلماء أقوالا في المراد من القوم الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد أمان ، فقيل :
هم الأسلميون ، كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وقت خروجه إلى مكة قد وادع هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه ، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال . وقيل هم بنو بكر بن زيد . وقيل هم خزاعة « 1 » .
وقوله : * ( أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ) * عطف على صلة الذين وهو قوله * ( يَصِلُونَ ) * .
ومعنى حصرت : ضاقت وانقبضت ومنه الحصر في القول وهو ضيق الكلام على المتكلم .
ويقال حصر صدره يحصر أي ضاق .
أي : خذوا واقتلوا - أيها المؤمنون - المنافقين الذين أعلنوا كفرهم ، ولا تأخذوا ولا تقتلوا الذين التجأوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان ، ولا تأخذوا ولا تقتلوا كذلك الذين جاؤوا إليكم وقد ضاقت نفوسهم ، وانقبضت صدورهم عن قتالكم لأنكم مسلمون كما أنهم قد ضاقت نفوسهم عن قتال قومهم لأنهم منهم ، أو لأنهم يخشون قتالهم خوفا على أموالهم أو على ذريتهم أو ذوى أرحامهم .
فأنت ترى أن الاستثناء في قوله * ( إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ ) * قد أخرج من الأخذ والقتل فريقين من الناس :
الفريق الأول : هو الذي ترك المحاربين من الأعداء ، والتجأ إلى القوم الذين بينهم وبين المسلمين عهد أمان ، فإنه بهذا الالتجاء قد صار حكمه كحكم من التجأ إليهم في الأمان .
والفريق الثاني : هو الذي جاء إلى المؤمنين ، مسالما وترك قومه ، إلا أنه في الوقت نفسه يكره
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 408 .