تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
إلى الكفر بعد الإيمان بسبب أقوالهم الأثيمة ، وأعمالهم القبيحة . وقوله * ( أَرْكَسَهُمْ ) * من الركس وهو رد أول الشيء على آخره . يقال : ركس الشيء يركسه ركسا إذا قلبه على رأسه . والركس والنكس بمعنى واحد . والاستفهام في قوله * ( أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّه ) * للإنكار على من أحسن الظن بأولئك المنافقين . أي : أتريدون أيها المؤمنون الذين أحسنتم الظن بهؤلاء المنافقين أن تعدوهم من جملة المهتدين ، مع أن اللَّه - تعالى - قد خلق فيهم الضلال ، لأنهم قد استحبوا العمى على الهدى ، وآثروا الغي على الرشد . وقوله * ( ومَنْ يُضْلِلِ اللَّه فَلَنْ تَجِدَ لَه سَبِيلًا ) * أي : ومن يكتب اللَّه عليه الضلالة ، فلن تجد أحدا يهديه ويرشده ، لأن قضاء اللَّه لا يتبدل ، وقدره لا يتخلف . وقوله - تعالى - * ( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً ) * كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالهم في أنفسهم . أي : أن هؤلاء المنافقين الذين يحسن الظن بهم بعضكم - أيها المؤمنون - لا يكتفون بكفرهم في أنفسهم بل هم يتمنون ويودون كفركم مثلهم بحيث تكونون أنتم وهم متساوين في الكفر والنفاق ، وإذا كان هذا هو حالهم فكيف تطمعون في إيمانهم ؟ وكيف تحسنون الظن بهم ؟ و * ( لَوْ ) * في قوله * ( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ) * مصدرية . أي تمنوا كفركم . وقوله * ( كَما كَفَرُوا ) * نعت لمصدر محذوف : أي تمنوا أن تكفروا كفرا مثل كفرهم . وقوله * ( فَتَكُونُونَ سَواءً ) * معطوف على قوله * ( لَوْ تَكْفُرُونَ ) * ومفرع عليه . أي : ودوا لو تكفرون فتكونون مستوين معهم في الضلال والكفر والنفاق . وما أبلغ التعبير في جانب محاولة المؤمنين بالإرادة في قوله * ( أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّه ) * وفي جانب محاولة المنافقين بالود لأن الإرادة ينشأ عنها الفعل . فالمؤمنون يستقربون حصول الإيمان من المنافقين ، لأن الإيمان قريب من فطرة الناس وعقولهم . والمنافقون يعلمون أن المؤمنين لا يرتدون عن دينهم ، ويرونهم متمسكين به غاية التمسك ، فلم يكن طلبهم تكفير المؤمنين إلا كلون من التمني الذي لا أمل في تحققه ، فعبر عنه بالود المجرد ، أي ودوا ذلك ولكنه ود بعيد التحقق . وقوله * ( فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّه ) * نهى من اللَّه - تعالى - للمؤمنين عن موالاة المنافقين حتى يصدر منهم ما يدل على إقلاعهم عن النفاق والضلال .