المؤمنين هو بأن يقدرهم على ذلك ، ويقويهم إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي .
وإما ابتلاء واختبارا كما قال - تعالى - ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ والصَّابِرِينَ ونَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ وإما تمحيصا للذنوب كما قال - تعالى - ولِيُمَحِّصَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا . وللَّه أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء .
ووجه النظم والاتصال بما قبل . أي : اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلوا فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم ، وإلا الذين جاؤكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم » « 1 » .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله * ( فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّه لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ) * .
أي : أن هؤلاء الذين استثناهم اللَّه - تعالى - من الأخذ والقتل ، اقبلوا مسالمتهم إن اعتزلوا قتالكم فلم يتعرضوا لكم بسوء ، وكفوا عن قتالهم إذا ألقوا إليكم السلم ، أي : إذا انقادوا للصلح والأمان ورضوا به . وهم متى فعلوا ذلك * ( فَما جَعَلَ اللَّه لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ) * أي :
فما أذن اللَّه لكم في أخذهم وقتلهم بأي طريق من الطرق التي توصل إلى العدوان عليهم .
وعبر بقوله * ( وأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ) * بدل السلام ، للإشارة إلى معنى التسليم لا مجرد الأمن والسلام ، لأن السلم يفيد معنى التسليم ، فهم ألقوا إليكم قيادهم واستسلموا لأمركم ، ودخلوا في طاعتكم .
وفي نفى أن يكون هناك سبيل عليهم ، مبالغه في عدم التعرض لهم بسوء لأنه إذا انتفى الوصول إليهم انتفى الاعتداء عليهم من باب أولى .
هذا ، ويرى جمهور المفسرين أن الأحكام التي اشتملت عليها هذه الآية الكريمة منسوخة بآية سورة التوبة وهي قوله - تعالى - فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ .
قال الجمل : معاهدة المشركين وموادعتهم في هذه الآية منسوخة بآية السيف - وهي قوله « فإذا انسلخ الأشهر الحرم . الآية » وذلك لأن اللَّه - تعالى - لما أعز الإسلام وأهله أمر أن لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو القتال » « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 310
( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 410 .