أن يقاتل المسلمين لحبه لهم . ويكره أن يقاتل قومه لأنهم قومه وعشيرته وأهله أو لأنه لو قاتلهم للحقه الضرر في ماله أو ذريته .
وقوله : * ( حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) * في موضع نصب على الحال بتقدير قد كما يرى بعضهم .
وبعضهم لا يرى حاجة لتقديرها ، لأنه قد جاء الفعل الماضي حالا بغيرها كثيرا .
وقيل هو صفة لموصوف محذوف هو حال من فاعل جاؤ أي : جاؤكم حالة كونهم حصرت صدورهم .
وقوله : * ( أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ) * مجرور بحرف جر مقدر أي : حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم . أو هو في محل نصب على أنه مفعول لأجله . أي حصرت صدورهم كراهة قتالكم أو قتال قومهم .
والمراد بالفريق الثاني بنو مدلج فقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم فقال : لما ظهر النبي صلى اللَّه عليه وسلم على أهل بدر وأسلم من حولهم ، قال : بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بنى مدلج . فأتيته فقلت : أنشدك النعمة . بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي . وأنا أريد أن توادعهم . فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام . وإن لم يسلموا لم يحسن تغليب قومك عليهم . فأخذ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بيد خالد فقال : اذهب معه فافعل ما يريد . فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وإن أسلمت قريش أسلموا معهم ، فأنزل اللَّه الآية « 1 » .
وقوله * ( ولَوْ شاءَ اللَّه لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ ) * بيان لمظهر من مظاهر فضل اللَّه ورعايته للمؤمنين .
أي : ولو شاء اللَّه لسلط جميع المشركين عليكم بأن قوى قلوبهم ، وجرأهم عليكم ، وجعلهم يبرزون لقتالكم صفا واحدا ، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، بل ألقى الرعب في صفوف أعدائكم ، وجعل منهم من يسالمكم ويأتي إليكم موادعا .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف يجوز أن يسلط اللَّه الكفرة على المؤمنين ؟ قلت :
ما كانت مكافتهم إلا لقذف الرعب في قلوبهم . ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه . فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين فذلك معنى التسليط « 2 » .
وقال القرطبي : قوله - تعالى - * ( ولَوْ شاءَ اللَّه لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ) * تسليط اللَّه المشركين على
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 533
( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 548