ويستنبطونه أي يستخرجونه . والاستنباط - كما يقول القرطبي - مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته . والنبط : الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر أول ما تحفر . وسمى النبط نبطا لأنهم يستخرجون ما في الأرض » « 1 » .
والمعنى : أن هؤلاء المنافقين وضعاف الإيمان كان من شأنهم وحالهم أنهم إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن أو خوف يتعلق بالمؤمنين أشاعوه وأظهروه بدون تحقق أو تثبت ، بقصد بلبلة الأفكار ، واضطراب حال المؤمنين ، ولو أن هؤلاء المنافقين ومن يستمعون إليهم ردوا ذلك الخبر الذي جاءهم والذي أشاعوه بدون تثبت ، لو أنهم ردوه إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وإلى كبار الصحابة البصراء في الأمور : * ( لَعَلِمَه ) * أي لعلم حقيقة ذلك الخبر * ( الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَه ) * أي : الذين يستخرجونه ويستعملونه ويتطلبونه وهم المنافقون المذيعون للأخبار * ( مِنْهُمْ ) * أي : من الرسول وأولي الأمر .
أي : لو أن أولئك المنافقين وأشباههم الذين يستخرجون الأخبار ويذيعونها بغير تثبت سكتوا عن إذاعتها وردوا الأمر في شأنها إلى الرسول وإلى كبار أصحابه ، لو أنهم فعلوا ذلك لعلموا من جهة الرسول ومن جهة كبار أصحابه حقيقة تلك الأخبار ، وما يجب عليهم نحوها من كتمان أو إذاعة .
وعلى هذا يكون الضمير في قوله * ( مِنْهُمْ ) * في الموضعين يعود إلى الرسول وإلى أولي الأمر .
ويكون المراد بالذين يستنبطونه : المنافقون وضعاف الإيمان الذين يذيعون الأخبار ويكون في الكلام إظهار في مقام الإضمار حيث قال : سبحانه - * ( لَعَلِمَه الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَه مِنْهُمْ ) * ولم يقل لعلموه منهم ، وذلك لزيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام ، وللمبالغة في ذمهم على بجثهم وراء الأخبار الخفية الهامة واستنباطها وتطلبها ثم إذاعتها بقصد الإضرار بمصلحة المسلمين .
وقد ذكر الفخر الرازي في المراد بالذين يستنبطونه وجها آخر فقال :
وفي قوله * ( الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَه مِنْهُمْ ) * قولان :
الأول : أنهم أولئك المنافقون المذيعون .
والتقدير : لو أن هؤلاء المنافقين المذيعين للأخبار ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر ، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم ، لعلمه الذين يستنبطونه وهم هؤلاء المنافقون المذيعون * ( مِنْهُمْ ) * أي من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 291