تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
وإسناد هذا التبييت إلى طائفة منهم ، لبيان أنهم هم المتصدون له بالذات ، أما الباقون فتابعون لهم في ذلك ، لا أنهم ثابتون على الطاعة . وقوله * ( واللَّه يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ ) * أي يثبته في صحائف أعمالهم . وبفضحهم بسبب سوء أعمالهم في الدنيا ، ثم يجازيهم على هذا النفاق بما يستحقون في الآخرة ، فالجملة الكريمة تهديد لهم على سوء صنيعهم ، لعلهم يكفون عن هذا النفاق ، وتطمين للنبي صلى اللَّه عليه وسلم بأنه - سبحانه - سيطلعه على مكرهم السيئ لكي يتقى شرهم ، ولذا فقد أمره - سبحانه - بعدم الالتفات إليهم ، وبالتوكل عليه - تعالى - وحده فقال : * ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه وكَفى بِاللَّه وَكِيلًا ) * . أي : إذا كان هذا هو شأنهم يا محمد . فلا تكثرت بهم ، ولا تلتفت إليهم ، وسر في طريقك متوكلا على اللَّه ، ومعتمدا على رعايته وحفظه ، وكفى باللَّه وكيلا وكفيلا لمن توكل عليه ، واتبع أمره ونهيه . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد كشفت عن جانب من صفات المنافقين وأحوالهم ، ثم هددتهم على جرائمهم ، ورسمت للنبي صلى اللَّه عليه وسلم الخطة الحكيمة لعلاجهم واتقاء شرهم . ثم أنكر - سبحانه - على هؤلاء المنافقين وأشباههم عدم تدبرهم للقرآن وحضهم على تأمل حكمه وأحكامه وهداياته فقال : * ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ، ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّه لَوَجَدُوا فِيه اخْتِلافاً كَثِيراً ) * . وقوله * ( يَتَدَبَّرُونَ ) * من التدبر ، وتدبر الأمر - كما يقول الزمخشري - تأمله والنظر في أدباره وما يؤول اليه في عاقبته ومنتهاه ، ثم استعمل في كل تأمل فمعنى تدبر القرآن : تأمل معانيه وتبصر ما فيه . والاستفهام لإنكار عدم تدبرهم ، والتعجيب من استمرارهم في جهلهم ونفاقهم مع توفر الأسباب التي توصلهم إلى الهداية وعلى رأسها تدبر القرآن وتفهم معانيه . والفاء للعطف على مقدر . أي : أيعرضون عن القرآن فلا يتأملون فيه . والمعنى : إن هؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض قد خيب اللَّه سعيهم ، وكشف خباياهم ، ورأوا بأعينهم سوء عاقبة الكافرين وحسن عاقبة المؤمنين ، فهلا دفعهم ذلك إلى الإيمان وإلى تدبر القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات وأخبار صادقة ، وأحكام حكيمة . . تشهد بأنه من عند اللَّه - تعالى - ، ولو كان هذا القرآن من عند غير اللَّه أي من إنشاء البشر لوجدوا في أخباره وفي نظمه وفي أسلوبه وفي معانيه اختلافا كثيرا فضلا عن الاختلاف القليل ، ولكن القرآن لأنه من عند اللَّه وحده قد تنزه عن كل ذلك وخلا من كل اختلاف سواء أكان كثيرا أم قليلا .