تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
والضمير في قوله * ( ويَقُولُونَ ) * للمنافقين ومن يلفون لفهم . أي : أن هؤلاء المنافقين إذا أمرتم يا محمد بأمر وهم عندك يقولون طاعة أي أمرنا وشأننا طاعة . يقولون ذلك بألسنتهم أما قلوبهم فهي تخالف ألسنتهم . وقوله * ( طاعَةٌ ) * خبر لمبتدأ محذوف وجوبا أي : أمرنا طاعة . ويجوز النصب على معنى : أطعناك طاعة . كما يقول المأمور لمن أمره : سمعا وطاعة ، وسمع وطاعة . قال صاحب الكشاف : ونحوه قول سيبويه : سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له : كيف أصبحت ؟ فيقول : حمد اللَّه وثناء عليه ، كأنه قال : أمرى وشأنى حمد اللَّه . ولو نصب « حمد اللَّه » كان على الفعل . والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها « 1 » . ثم حكى - سبحانه - ما يكون عليه أمر هؤلاء المنافقين بعد خروجهم من عند الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ) * . وقوله * ( بَيَّتَ ) * من التبييت واشتقاقه - كما يقول الفخر الرازي - من البيتوتة ، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان في بيته بالليل ، فهناك تكون الخواطر أخلى ، والشواغل أقل . لا جرم سمى الفكر المستقصى مبيتا . أو من بيت الشعر ، لأن العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه . . . والمراد : زوّر وموّه ودبّر . والمعنى : أن هؤلاء المنافقين إذا كانوا عندك - يا محمد - وأمرتهم بأمر قالوا : طاعة ، فإذا ما خرجوا من عندك وفارقوك دبر وأضمر طائفة منهم وهم رؤساؤهم « غير الذي تقول » أي خلاف ما قلت لتلك الطائفة أو قالت لك من ضمان الطاعة . فهم أمامك يظهرون الطاعة المطلقة ، ومن خلفك يدبرون ويضمرون ما يناقض هذه الطاعة ويخالفها . والتعبير عن الخروج بالبروز للإشارة إلى تفاوت ما بين أحوالهم ، وتناقض مظهرهم مع خبيئتهم .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 529 .