تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
وعبر عن هؤلاء الأعداء بقوله * ( النَّاسَ ) * زيادة في توبيخ أولئك الذين خافوا منهم هذا الخوف الشديد ، لأنهم لو كانوا مؤمنين حقا ، لاستقبلوا ما فرضه اللَّه عليهم بالسمع والطاعة ، ولما خافوا هذا الخوف الشديد من أناس مثلهم . وقوله * ( كَخَشْيَةِ اللَّه ) * مفعول مطلق ، أي يخشونهم خشية كخشية اللَّه . وهو بيان لشدة خورهم وهلعهم ، ولفساد تفكيرهم ، حيث جعلوا خشيتهم للناس في مقابل خشيتهم للَّه ، الذي يجب أن تكون خشيته - سبحانه - فوق كل خشية . وقوله * ( أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) * معطوف على ما قبله . وأشد حال من خشية لأن نعت النكرة إذا تقدم عليها أعرب حالا . وفي هذه الجملة الكريمة زيادة في توبيخهم وذمهم وترق في توضيح حالتهم القبيحة ، لأنه إذا كان من المقرر أنه لا يجوز للعاقل أن يجعل خشيته للناس كخشيته للَّه ، فمن باب أولى لا يجوز له أن يجعل خشيته للناس أشد من خشيته للَّه - تعالى - . قال الفخر الرازي ما ملخصه : فإن قيل : ظاهر * ( أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) * يوهم الشك . وذلك على علام الغيوب محال . أجيب بأن * ( أَوْ ) * بمعنى بل . أو هي للتنويع . على معنى أن خشية بعضهم كخشية اللَّه وخشية بعضهم أشد منها أو هي للإبهام على السامع . على معنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة . وهو قريب مما في قوله - تعالى - : وأَرْسَلْناه إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ يعنى أن من يبصرهم يقول : أنهم مائة ألف أو يزيدون « 1 » . ثم حكى - سبحانه - ما قاله أولئك الضعفاء عندما فرض عليهم القتال فقال : * ( وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) * . أي : أن هؤلاء الضعفاء لم يكتفوا بما اعتراهم من فزع وجزع عندما كتب عليهم القتال وإنما أضافوا إلى ذلك أنهم قالوا على سبيل الضجر والألم : يا ربنا لم كتبت علينا القتال في هذا الوقت * ( لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) * أي : هلا عافيتنا وتركتنا حتى نموت موتة لا قتال معها عند حضور آجالنا ، دون أن نتعرض لهذا التكليف الثقيل المخيف . وهكذا يصور القرآن تخبط هؤلاء الضعفاء أكمل تصوير . إنهم قبل أن يفرض القتال يظهرون التحمس له ، والتشوق لخوض معا معه ، فإذا ما فرض عليهم القتال فزعوا وارتعدوا وقالوا ما قالوا من ضلال بضيق وهلع .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 116