والإخلاص فهم يلتمسون منه - سبحانه - أن يخرجهم من بطش الظالمين وحكمهم ، وأن يجعلهم تابعين للقوم الذين يحبهم ويحبونه ، وهم المؤمنون ، وأن يهيئ لهم النصر على أعدائهم وأعدائه .
ولقد استجاب اللَّه - تعالى - لهم دعاءهم ، حيث يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة ، ورزق المؤمنين فتحا قريبا ، وإلى ذلك أشار صاحب الكشاف بقوله : « والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين . . . وكانوا يدعون اللَّه بالخلاص ويستنصرونه ، فيسر اللَّه لبعضهم الخروج إلى المدينة ، وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل اللَّه لهم من لدنه خير ولى وناصر وهو محمد صلى اللَّه عليه وسلم فتولاهم أحسن التولي ، ونصرهم أقوى النصر .
فإن قلت : لم يذكر الولدان : قلت : تسجيلا بإفراط ظلمهم ، حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين ، إرغاما لآبائهم وأمهاتهم ، ومبغضة لهم ، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة اللَّه بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا ، كما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء « 1 » .
ثم ساق - سبحانه - لونا آخر من تحريضهم على الجهاد وهو تحديد الهدف الذي يقاتل من أجله كل فريق فقال : * ( الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه ، والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ، فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً ) * أي أنتم - أيها المؤمنون - إذا قاتلتم فإنما تقاتلون وغايتكم إعلاء كلمة اللَّه ، ونصرة الحق الذي جاء به رسولكم محمد صلى اللَّه عليه وسلم .
أما أعداؤكم الكافرون فإنهم يقاتلون من أجل طاعة الشيطان الذي يأمرهم بكل بغى وطغيان ، وإذا كان هذا حالكم وحالهم فعليكم - أيها المؤمنون - أن تقاتلوا أولياء الشيطان بكل قوة وصدق عزيمة * ( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً ) * أي . إن كيد الشيطان وتدبيره كان ضعيفا ، لأن الشيطان ينصر أولياءه ، واللَّه - تعالى - ينصر أولياءه ، ولا شك أن نصرة اللَّه - تعالى - لأوليائه أقوى وأشد من نصرة الشيطان لأوليائه .
فقوله - تعالى - * ( الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه ) * كلام مستأنف سيق لتشجيع المؤمنين وترغيبهم في الجهاد ببيان الغاية والهدف الذي يعمل من أجله كل فريق ، وببيان أن المؤمنين ستكون عاقبتهم النصر والظفر لأن اللَّه وليهم وناصرهم .
والفاء في قوله * ( فَقاتِلُوا ) * للتفريع ، أي إذا كانت تلك غايتكم أيها المؤمنون وتلك هي غاية
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 534