تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
عدوه ، فسوف نؤتيه أجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا اللَّه تعالى . . وإنما اقتصر - سبحانه على بيان حالتين بالنسبة للمقاتل وهي حالة الاستشهاد وحالة الغلبة على العدو ، للإشعار بأن المجاهد الصادق لا يبغى من جهاده إلا هاتين الحالتين ، فهو قد وطن نفسه حالة جهاده على الاستشهاد أو على الانتصار على أعداء اللَّه ، ومتى وطن نفسه على ذلك ثبت في قتاله ، وأخلص في جهاده . وقدم - سبحانه - القتل على الغلب ، للإيذان بأن حرص المجاهد المخلص على الاستشهاد في سبيل اللَّه ، أشد من حرصه على الغلب والنصر . والتعبير بسوف في قوله * ( فَسَوْفَ نُؤْتِيه أَجْراً عَظِيماً ) * لتأكيد الحصول على الأجر العظيم في المستقبل . والجملة جواب الشرط وهو قوله * ( ومَنْ يُقاتِلْ ) * وقوله * ( فَيُقْتَلْ ) * تفريع على فعل الشرط . ونكر - سبحانه - الأجر ووصفه بالعظم ، للإشعار بأنه أجر لا يحده تعيين ، ولا يبينه تعريف ، ولا يعلم مقداره إلا اللَّه - تعالى - . ثم حرض - سبحانه - المؤمنين على القتال بأبلغ أسلوب فقال : * ( وما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه ، والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ ) * . فالخطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريقة الالتفات ، مبالغة في التحريض عليه ، وتأكيدا لوجوبه ، و * ( ما ) * اسم استفهام مبتدأ ، والجار والمجرور وهو * ( لَكُمْ ) * خبره . وجملة * ( لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه ) * في محل نصب على الحال ، والعامل في هذه الحال الاستقرار المقدر أو الظرف لتضمنه معنى الفعل . والمراد بالاستفهام تحريضهم على الجهاد ، والإنكار عليهم في تركه مع توفر دواعيه ، والمعنى : أي شيء جعلكم غير مقاتلين ؟ إن عدم قتالكم لأعدائكم يتنافى مع إيمانكم ، أما الذي يتناسب مع إيمانكم وطاعتكم للَّه فهو أن تقاتلوا من أجل إعلاء كلمة اللَّه ، ومن أجل المستضعفين من الرجال والنساء والولدان . فالآية الكريمة تحريض على الجهاد بأبلغ وجه ، ونفى للاعتذار عنه . والمراد بالمستضعفين : الضعفاء من الناس وهم المسلمون الذين بقوا في مكة بعد هجرة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم إلى المدينة ، لعدم قدرتهم على الهجرة أو لمنع المشركين إياهم من الخروج . وقد كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يدعو لهم فيقول : اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين . وقوله * ( والْمُسْتَضْعَفِينَ ) * معطوف على قوله * ( فِي سَبِيلِ اللَّه ) * أي : قاتلوا في سبيل اللَّه وفي