سبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من ظلم المشركين لهم .
وخصهم بالذكر مع أن القتال في سبيل اللَّه يشملهم ، لمزيد العناية بشأنهم ، وللتحريض على القتال بحكم الشرف والمروءة بعد التحريض عليه بحكم الدين والتقرب إلى اللَّه - تعالى - ، لأن مروءة الإنسان الكريم تحمله على نصرة الضعيف ، ومنع الاعتداء عليه .
وقوله * ( مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ ) * ، بيان لهؤلاء المستضعفين .
أي : قاتلوا - أيها المؤمنون - من أجل إعلاء كلمة اللَّه ونشر دينه ، ومن أجل نصرة المستضعفين من الرجال الذين صدهم المشركون عن الهجرة ، ومن النساء اللائي لا يملكن حولا ولا قوة . ومن الولدان الصغار الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم .
وفي النص على هؤلاء المستضعفين وخصوصا النساء والولدان ، أقوى تحريض على الجهاد ، وأعظم وسيلة لإثارة الحماس والنخوة من أجل القتال ، لأنهم إذا تركوا هؤلاء المستضعفين أذلاء في أيدي المشركين ، فإنهم سيعيرون بهم ، وهذا ما يأباه كل شريف كريم .
ثم حكى - سبحانه - ما كان يقوله المستضعفون فقال : * ( الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِه الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها . واجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا واجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ) * .
أي : قاتلوا - أيها المؤمنون - في سبيل المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يضرعون إلى اللَّه قائلين : يا ربنا أخرجنا من هذه القرية التي ظلمنا أهلها بسبب شركهم وكفرهم * ( واجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ) * .
أي وسخر لنا من عندك حافظا يحفظ علينا ديننا * ( واجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ) * . أي :
وسخر لنا من عندك كذلك ناصرا يدفع عنا أذى أعدائنا ، فأنت الذي لا يذل من استجار به ، ولا يضعف من كنت نصيره ووليه .
والمراد بالقرية الظالم أهلها : مكة . وقد وصف أهلها بأنهم ظالمون ، ولم توصف هي بأنها ظالمة كما وصف غيرها من القرى كما في قوله - تعالى - وكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها وذلك من باب التكريم لمكة ، إذ هي حرم اللَّه الآمن ولا يوصف حرم اللَّه الآمن بالظلم ولو على سبيل المجاز .
وقوله * ( الظَّالِمِ أَهْلُها ) * صفة للقرية ، وأهلها مرفوع به على الفاعلية ، وأل في الظالم موصولة بمعنى التي أي التي ظلم أهلها . فقوله * ( الظَّالِمِ ) * جار على القرية لفظا ، وهو لما بعدها معنى نحو : مررت برجل حسن غلامه .
وفي هذا النداء الذي تضرع به أولئك المستضعفون إلى خالقهم أسمى ألوان الأدب
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 219
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢١٩