وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين » « 1 » .
وعلى كلا التقديرين : فإن الآية الكريمة تدل على أن اللَّه - تعالى - لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه ، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا بالتكاليف الشاقة ، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم ، وهذا الدين لم يجئ لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا .
والمراد : أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم . وإنما الذي كتبناه عليهم هو طاعة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم والخضوع لحكمه في الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته في السر والعلن .
فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل اللَّه على هذه الأمة ، ورحمته بها ، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة اللَّه - تعالى - والضمير في قوله * ( ما فَعَلُوه ) * للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من الديار . لدلالة قوله * ( كَتَبْنا ) * عليه .
وقوله « قليل » مرفوع على أنه بدل من الواو في قوله * ( فَعَلُوه ) * والتقدير : ما فعله أحد إلا قليل منهم . وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء . والأول أولى ، لأنه استثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع .
قال ابن كثير : لما نزلت * ( ولَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ ) * . . الآية . قال رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد للَّه الذي عافانا . فبلغ ذلك النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : « إن من أمتي رجالا ، الإيمان أثبت في قلوبهم من الرواسي » وعن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم » - أي : لو فرض ذلك لكان عبد اللَّه بن مسعود من الذين يفعلونه .
وعن شريح بن عبيد قال : لما تلا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم هذه الآية ، أشار بيده إلى عبد اللَّه بن رواحة فقال : « لو أن اللَّه كتب ذلك ، لكان هذا من أولئك القليل » « 2 » .
وقوله : * ( ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِه لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتاً ) * بيان للنتائج الطيبة التي تترتب على امتثالهم لأمر اللَّه .
أي : ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا * ( فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِه ) * أي : ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى اللَّه عليه وسلم وانقياد لحكمه ، لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى . . .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 167 - بتصرف يسير .
( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 522 .