وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات في بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير شريعة اللَّه ، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصالح بهدى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم .
ومن ذلك قول الفخر الرازي : قال القاضي : يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر . وعدم الرضا بحكم محمد صلى اللَّه عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه :
الأول : أنه - تعالى - قال * ( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِه ) * .
فجعل التحاكم إلى الطاغوت إيمانا به . ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفر باللَّه . كما أن الكفر بالطاغوت إيمان باللَّه .
الثاني : قوله تعالى - : * ( فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) * . . إلى قوله :
* ( ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) * . وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم .
الثالث : قوله - تعالى - فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِه أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة .
وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر اللَّه أو أوامر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فهو خارج عن الإسلام . سواء رده من جهة الشك أم من جهة التمرد . وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم « 1 » .
وقال الشيخ جمال الدين القاسمي : قال ولى اللَّه التبريزي . روى الإمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه قال : قال رسول صلى اللَّه عليه وسلم : لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم : فقال بلال : واللَّه لنمنعهن . فقال عبد اللَّه : أقول : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . وتقول أنت : لنمنعهن ؟
وفي رواية سالم عن أبيه قال : فأقبل عليه عبد اللَّه فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط . وقال :
أخبرك عن رسول اللَّه ، وتقول : واللَّه لنمنعهن « .
وفي رواية للإمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات .
فأنت ترى أن ابن عمر - رضى اللَّه عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قد غضب للَّه ورسوله ، وهجر فلذة كبده ، لتلك الزلة .
وقال الإمام الشافعي : أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابي قال : حدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح الكعبي أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال عام الفتح : « من قتل له قتيل فهو بخير النظرين . إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود » . قال أبو حنيفة : فقلت لابن
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 155