معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه من الحيل اللفظية ، كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم . وهذا هو الأصح .
الثالث : أنهم كانوا يدخلون على النبي صلى اللَّه عليه وسلم ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه » « 1 » .
والذي نراه أولى أن تحريف هؤلاء اليهود للكلم عن مواضعه يتناول كل ذلك ، لأنهم لم يتركوا وسيلة من وسائل التحريف الباطل إلا فعلوها ، أملا منهم في صرف الناس عن الدعوة الإسلامية ، ولكن اللَّه - تعالى - خيب آمالهم .
قال الزمخشري : فإن قلت : كيف قيل هاهنا * ( عَنْ مَواضِعِه ) * وفي المائدة مِنْ بَعْدِ مَواضِعِه ؟ قلت : « أما عن مواضعه » فعلى ما فسرنا من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة وضعه فيها ، بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه .
وأما مِنْ بَعْدِ مَواضِعِه فالمعنى أنه كانت له مواضع قمن بأن يكون فيها . فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره . والمعنيان متقاربان » « 2 » .
ثم حكى - سبحانه - لونا ثانيا من ضلالتهم فقال : * ( ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا ) * أي .
ويقولون للنبي صلى اللَّه عليه وسلم إذا ما أمرهم بشيء : سمعنا قولك وعصينا أمرك فنحن مع فهمنا لما تقول لا نطيعك لأننا متمسكون باليهودية .
ثم حكى - سبحانه - لونا ثالثا من مكرهم فقال : * ( واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ) * وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها وداخلة تحت القول السابق .
أي : ويقولون ذلك في أثناء مخاطبتهم للنبي صلى اللَّه عليه وسلم وهو كلام ذو وجهين وجه محتمل للشر . بأن يحمل على معنى « اسمع » حال كونك غير مسمع كلاما ترضاه . ووجه محتمل للخير . بأن يحمل على معنى اسمع منا غير مسمع كلاما تكرهه .
فأنت تراهم - لعنهم اللَّه - أنهم كانوا يخاطبون النبي صلى اللَّه عليه وسلم بهذا الكلام المحتمل للشر والخير موهمين غيرهم أنهم يريدون الخير ، مع أنهم لا يريدون إلا الشر ، بسبب ما طفحت به نفوسهم من حسد للنبي صلى اللَّه عليه وسلم وللمسلمين .
ثم حكى - سبحانه - لونا رابعا من خبثهم فقال : * ( وراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وطَعْناً فِي الدِّينِ ) * وهو كلام معطوف على ما قبله وداخل تحت القول السابق .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 118 طبعة عبد الرحمن محمد
( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 517