تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
يشترون الضلالة وهو البقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات لهم الدالة على صحة دين الإسلام ، وهم لا يكتفون بتلبسهم بالضلال الذي أشربته نفوسهم ، بل يريدون لكم يا معشر المسلمين أن تتركوا دين الإسلام الذي هو السبيل الحق ، وأن تتبعوهم في ضلالهم وكفرهم . فالمقصود من الآية الكريمة تعجيب المؤمنين من سوء أحوال أولئك الأحبار ، وتحذير لهم من موالاتهم أو من الاستماع إلى أكاذيبهم وشبهاتهم . والخطاب لكل من يصلح له من المؤمنين . وتوجيهه إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم هنا مع توجيهه بعد ذلك إلى الكل - في قوله * ( أَنْ تَضِلُّوا ) * - للإيذان بكمال شهرة شناعة حال أولئك اليهود ، وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب منها كل من يراها أو يعلمها . وقد وصفهم - سبحانه - بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب ، ولم يؤتوا الكتاب كله ، لأنهم نسوا حظا كبيرا مما ذكروا به ، ولم يبق عندهم من علم الكتاب إلا القليل ، وهذا القليل لم يعملوا به بل حرفوه وبدلوه وأخضعوا تفسيره لأهوائهم وشهواتهم . وقوله * ( يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ) * هو موطن التعجب من شأنهم لأنهم لا يطلبون الضلالة بفتور أو تريث وإنما يطلبونها بشراهة ونهم ويدفعون فيها أغلى الأثمان وهو الهدى ، ولا يكتفون بذلك بل يبتغون من المؤمنين أن يكونوا مثلهم في الضلال . وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى - وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً . وذكر سبحانه - الشيء الذي اشتروه وهو الضلالة ، وطوى ذكر المتروك وهو الهدى ، للإيذان بغاية ظهوره . وللإشعار بأنهم قوم يطلبون الضلالة في ذاتها . وأن البعد عن الحق والهدى مطلب من مطالبهم يدفعون فيه الثمن عن رغبة ، وذلك لأنهم قوم مردوا على الضلالة فغدوا لا يستمرئون سواها ، ولا يركنون إلا إليها . وإن قوما هذا شأنهم لجديرون بالابتعاد عنهم ، والتحقير من أمرهم . لأنك - كما يقول الفخر الرازي - لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين : أعنى الضلال والإضلال . قال الآلوسي : وقوله : * ( يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ) * . . إلخ استئناف مبين لمناط التشنيع ومدار التعجب المفهومين من صدر الكلام ، مبنى على سؤال نشأ منه كأنه قيل : ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم ؟ فقيل يختارون الضلالة على الهدى أو يستبدلونها بعد تمكنهم منه . . . وذهب أبو البقاء إلى أن جملة * ( يَشْتَرُونَ ) * حالة مقدرة من ضمير * ( أُوتُوا ) * أو حال من * ( الَّذِينَ ) * « 1 » . وقوله * ( واللَّه أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ ) * جملة معترضة للتأكيد والتحذير .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 5 ص 45 .