تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
والفاء في قوله « فكيف » للإفصاح عن شرط مقدر نشأ من الكلام السابق وكيف في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف . والتقدير : إذا أيقنت بما أخبرناك به أيها الرسول الكريم أو أيها السامع من أن اللَّه لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما فكيف يكون حال هؤلاء الكفرة إذا ما جئنا من كل أمة من الأمم السابقة بشهيد يشهد عليهم بما ارتكبوه من سوء الصنيع وقبح الأعمال ، وهذا الشهيد هو نبيهم الذي أرسله اللَّه لهدايتهم ، وجئنا بك يا محمد شهيدا على هؤلاء الذين بعثك اللَّه لإخراجهم من الظلمات إلى النور فكذبوك واستحبوا العمى على الهدى . لا شك أن حالهم سيكون أسوأ حال ، ومصيرهم سيكون أقبح مصير ، بسبب كفرهم وبخلهم وريائهم واتباعهم للهوى والشيطان . ومن العلماء من يرى أن المراد بقوله - تعالى - * ( وجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) * أي جئنا بك يا محمد شهيدا على هؤلاء الأنبياء بأنهم قد بلغوا رسالة اللَّه ولم يقصروا في نصيحة أقوامهم . والذي نراه أولى هو أن شهادة النبي صلى اللَّه عليه وسلم تشمل كل ذلك أي تشمل شهادته على قومه بأنه قد بلغهم رسالة اللَّه ، وشهادته للأنبياء السابقين بأنهم نصحوا لأقوامهم وبلغوا رسالة ربهم ، لأن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قد أعطاه اللَّه تعالى - من المنزلة العالية ما لم يعط أحدا سواه . روى الشيخان وغيرهما عن عبد اللَّه بن مسعود قال : قال لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : اقرأ على شيئا من القرآن . فقلت يا رسول اللَّه أأقرأ عليك وعليك أنزل قال : نعم . إني أحب أن أسمعه من غيرى . فقرأت عليه سورة النساء : حتى أتيت إلى هذه الآية : * ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ) * . . الآية « فقال : حسبك الآن ، فإذا عيناه تذرفان » . وقوله تعالى - * ( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ ) * استئناف مبين لحالهم التي أشير إلى شدتها وفظاعتها بقوله * ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) * . والتنوين في قوله * ( يَوْمَئِذٍ ) * عوض عن الجملتين السابقتين أي مجيء الشهيد على كل أمة ، ومجئ الرسول شهيدا على قومه . أي : يوم أن يشهد الرسل على أقوامهم بأنهم قد بلغوهم رسالة اللَّه ، ويوم أن تشهد أنت يا محمد على من كذبك من قومك بأنك قد أمرتهم بعبادة اللَّه وحده يومئذ وهو يوم القيامة ، يتمنى ويحب الذين كفروا وعصوا الرسول الذي جاء لهدايتهم * ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ ) * أي يودون لو انشقت الأرض فبلعتهم لما يرون من هول الموقف ولما يحل بهم من الخزي والفضيحة والعذاب . أو يودون لو يدفنون فيها فتسوى عليهم كما تسوى على الموتى ويبقون على