وقوله * ( شِقاقَ بَيْنِهِما ) * أصله شقاقا بينهما . فأضيف الشقاق إلى الظرف إما على إجرائه مجرى المفعول فيه اتساعا . كقوله - تعالى - بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ . وأصله بل مكر في الليل والنهار .
وإما على إجرائه مجرى الفاعل بجعل البين مشاقا والليل والنهار ماكرين . كما في قولك :
نهارك صائم .
والمعنى : وإن علمتم أيها المؤمنون أن هناك خلافا بين الزوجين قد يتسبب عنه النفور الشديد ، وانقطاع حبال الحياة الزوجية بينهما ، ففي هذه الحالة عليكم أن تبعثوا * ( حَكَماً ) * أي رجلا صالحا عاقلا أهلا للإصلاح ومنع الظالم من الظلم * ( مِنْ أَهْلِه ) * أي من أهل الزوج وأقاربه * ( وحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) * أي من أقارب الزوجة بحيث يكون على صفة الأول : لأن الأقارب في الغالب أعرف ببواطن الأحوال ، وأطلب للإصلاح ، وتسكن إليهم النفس أكثر من غيرهم .
وعلى الحكمين في هذه الحالة أن يستكشفا حقيقة الخلاف ، وان يعرفا هل الإصلاح بين الزوجين ممكن أو أن الفراق خير لهما ؟ .
وظاهر الأمر في قوله * ( فَابْعَثُوا ) * أنه للوجوب ، لأنه من باب رفع المظالم ورفع المظالم من الأمور الواجبة على الحكام .
وظاهر وصف الحكمين بأن يكون أحدهما من أهل الزوج والثاني من أهل الزوجة ، أن ذلك شرط على سبيل الوجوب ، إلا أن كثيرا من العلماء حمله على الاستحباب ، وقالوا : إذا بعث القاضي بحكمين من الأجانب جاز ذلك ، لأن فائدة بعث الحكمين استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين ، وهذا أمر يستطيعه الأقارب وغير الأقارب إلا أنه يستحب الأقارب فيه لأنهم أعرف بأحوال الزوجين ، وأشد طلبا للإصلاح ، وأبعد عن الظنة والريبة ، وأقرب إلى أن تسكن إليهم النفس .
والضمير في قوله - تعالى - * ( إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً ) * يجوز أن يعود للحكمين ويجوز أن يكون للزوجين . وكذلك الضمير في قوله * ( يُوَفِّقِ اللَّه بَيْنَهُما ) * يحتمل أن يكون للحكمين وأن يكون للزوجين .
والأولى جعل الضمير الأول للحكمين والثاني للزوجين فيكون المعنى : إن يريدا أي الحكمان إصلاحا بنية صحيحة وعزيمة صادقة ، يوفق اللَّه بين الزوجين بإلقاء الألفة والمودة في نفسيهما ، وانتزاع أسباب الخلاف من قلبيهما .
هذا ، وقد اختلف العلماء فيما يتولاه الحكمان ، أيتوليان الجمع والتفريق بين الزوجين بدون إذنهما أم ليس لهما تنفيذ أمر يتعلق بالزوجين إلا بعد استئذانهما ؟ .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 142
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٤٢