تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
وقد فسر العلماء الضرب غير المبرح بأنه الذي لا يكسر عظما ، ولا يشين جارحة ، وأن يتقى الوجه فإنه مجمع المحاسن ولا يلجأ إليه إلا عند فشل العلاجين السابقين . وقد قال - سبحانه - * ( واللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ) * ولم يقل : واللائي ينشزن ، للإشعار بأن يبدأ الزوج بعلاج عيوب زوجته عندما تظهر أمارات هذه العيوب وعلاماتها وأن لا يتركها حتى تستشرى وتشتد ، بل عليه عندما يخشى النشوز أن يعالجه قبل أن يقع ، وأن يكون علاجه بطريقة حكيمة من شأنها أن تقنع وتفيد . وبعضهم فسر الخوف ، بالعلم أي واللاتي تعلمون نشوزهن فعظوهن . . . إلخ . وبعضهم قدر مضافا في الكلام أي : واللاتي تخافون دوام نشوزهن ، فعظوهن واهجروهن في المضاجع . . . إلخ . وبعضهم قدر معطوفا محذوفا أي : واللاتي تخافون نشوزهن ونشزن ، فعظوهن واهجروهن في المضاجع . . . إلخ . وجمهور العلماء على أن من الواجب على الزوج أن يسلك في معالجته لزوجته تلك الأنواع الثلاثة على الترتيب بأن يبدأ بالوعظ ثم بالهجر ثم بالضرب ، لأن اللَّه - تعالى - قد أمر بذلك ، ولأنه قد رتب هذه العقوبات بتلك الطريقة الحكيمة التي تبدأ بالعقوبة الخفيفة ثم تتدرج إلى العقوبة الشديدة ثم إلى الأكثر شدة . قال الفخر الرازي : وبالجملة فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه . والذي يدل عليه اللفظ أنه - تعالى - ابتدأ بالوعظ . ثم ترقى منه إلى الضرب . وذلك تنبيه يجرى مجرى التصريح في أنه متى حصل الغرض بالطريق الأخف ، وجب الاكتفاء به ، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق . وهذه طريقة من قال : حكم هذه الآية مشروع على الترتيب . وقال بعض أصحابنا : « تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها ، وهل له أن يهجرها ؟ فيه احتمال . وله عند إبداء النشوز أن يعظها أو يهجرها ، أو يضربها » « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما يجب على الرجال نحو النساء إذا ما أطعنهم وتركن النشوز والعصيان فقال - تعالى - : * ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّه كانَ عَلِيًّا كَبِيراً ) * . أي فإن رجعن عن النشوز إلى الطاعة وانقدن لما أوجب اللَّه عليهن نحوكم أيها الرجال ، فلا تطلبوا سبيلا وطريقا إلى التعدي عليهن ، أو فلا تظلموهن بأي طريق من طرق الظلم كأن
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 90 بتصرف وتلخيص .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 140 | سيد محمد طنطاوي