تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
قال القرطبي ما ملخصه : أجمع العلماء على أن هذه الآية - وهي قوله - تعالى - * ( واعْبُدُوا اللَّه ولا تُشْرِكُوا بِه شَيْئاً ) * - من المحكم المتفق عليه - ليس منها شيء منسوخ . وكذلك هي في جميع الكتب . ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل وإن لم ينزل به الكتاب . والعبودية هي التذلل والافتقار لمن له الحكم والاختيار . فالآية أصل في خلوص الأعمال للَّه وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : قال اللَّه - تعالى - أنا أغنى الشركاء عن الشرك . من عمل عملا أشرك فيه معي غيرى تركته وشركه » « 1 » . والمعنى : عليكم أيها الناس أن تخلصوا للَّه - تعالى - العبادة والخضوع ، وأن تتجهوا إليه وحده في كل شئونكم بدون أن تتخذوا معه أي شريك لا في عقيدتكم ولا في عبادتكم ولا في أقوالكم ولا في أعمالكم ، كما قال - تعالى - وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَه الدِّينَ حُنَفاءَ . وهذه العبادة الخالصة للَّه - تعالى - هي حقه - سبحانه - علينا ، فهو الذي خلقنا وهو الذي رزقنا وهو المتفضل علينا في جميع الحالات . روى البخاري عن معاذ بن جبل قال : كنت ردف النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - على حمار يقال له عفيرة . فقال : يا معاذ هل تدرى ما حق اللَّه على عباده وما حق العباد على اللَّه ؟ قلت اللَّه ورسوله أعلم . قال : فان حق اللَّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا . وحق العباد على اللَّه أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا . فقلت : يا رسول اللَّه ! أفلا أبشر به الناس ؟ قال : لا تبشرهم فيتكلوا ) . وقد صدر - سبحانه - تلك الوصايا الحكيمة التي اشتملت عليها الآية الكريمة بالأمر بعبادته والنهى عن أن نشرك به شيئا ، لأن إخلاص العبادة له أساس الدين ، ومداره الأعظم الذي بدونه لا يقبل اللَّه من العبد عملاما ، ولأن في ذلك إيماء إلى ارتفاع شأن تلك الوصايا التي سيقت بعد ذلك ، إذ قرنها بالعبادة والتوحيد يكسبها عظمة وجلالا . وعطف النهى عن الشرك على الأمر بالعبادة للَّه - تعالى - من باب عطف الخاص على
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 180 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 145 | سيد محمد طنطاوي