تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
فيما ورثوه أو أصابوه من أموال ، وإذا كان الأمر كذلك فلا يليق بعاقل أن يتمنى خلاف ما قسم اللَّه له من رزق ، بل عليه أن يرضى بما قسم اللَّه له . فاللَّه - تعالى - هو الذي قدر أرزاق الرجال والنساء على حسب ما تقتضيه حكمته وعلمه ، وهو الذي كلف كل فريق منهم بواجبات وأعمال تليق باستعداده وتكوينه . وقوله * ( وسْئَلُوا اللَّه مِنْ فَضْلِه ) * عطف على النهى . فكأنه قيل : لا تتمنوا ولا تتطلعوا إلى ما في أيدي غيركم ، ولا تحسدوه على ما رزقه اللَّه ، بل اجعلوا اتجاهكم إلى اللَّه وحده ، والتمسوا منه ما تشاؤن من نعمه الجليلة ، ومن حظوظ الدنيا والآخرة ، فهو القائل ما يَفْتَحِ اللَّه لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَه مِنْ بَعْدِه وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وحذف المفعول من الجملة الكريمة لإفادة العموم . أي : واسألوا اللَّه ما شئتم من إحسانه الزائد ، وإنعامه المتكاثر حتى تطمئن نفوسكم ، ويبتعد عنها الطمع والقلق والألم . قال ابن كثير : قوله * ( وسْئَلُوا اللَّه مِنْ فَضْلِه ) * أي لا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض فإن التمني لا يجدي شيئا ، ولكن سلوني من فضلي أعطكم فإني كريم وهاب . روى أبو نعيم وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « سلوا اللَّه من فضله فإن اللَّه يحب أن يسأل ، وإن أحب عباد اللَّه إلى اللَّه للذي يحب الفرج » « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( إِنَّ اللَّه كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) * أي إن اللَّه - تعالى - كان وما زال عليما بكل شيء من شؤون هذا الكون ، وقد وزع - سبحانه - أرزاقه ومواهبه على عباده بمقتضى علمه وحكمته ، فجعل فيهم الغنى والفقير ، فيحتاج بعضهم إلى بعض ، وليتبادلوا المنافع التي لا غنى لهم عنها ، وكلف كل فريق منهم بما يتناسب مع تكوينه واستعداده صُنْعَ اللَّه الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّه خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ . ثم قال - تعالى * ( ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ والأَقْرَبُونَ ) * . والمضاف إلى كل هنا محذوف عوض عنه التنوين . والتقدير ولكل إنسان أو لكل قوم أو لكل من مات ، أو لكل من الرجال والنساء . والموالي : جمع مولى . والمولى لفظ مشترك بين معان ، فيقال للسيد المعتق لعبده مولى ، لأنه ولى نعمته في عتقه له . ويقال للعبد العتيق مولى لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه كما يقال لكل من الحليف والنصير والقريب مولى . ويقال لعصبة الشخص موالي . قال الفخر الرازي : والمراد بالموالي هنا العصبة . ويؤكد ذلك ما رواه أبو صالح عن
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 488 .