منكم . وقرأها الباقون بالرفع على أنها فاعل لكان التامة أي : إلا أن تقع تجارة بينكم عن تراض منكم .
وقوله * ( عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) * صفة لقوله * ( تِجارَةً ) * ولفظ * ( عَنْ ) * للمجاوزة أي : إلا أن تكون تجارة صادرة عن تراض كائن منكم .
والتراضي : هو الرضا من الجانبين بما يدل عليه من لفظ أو عرف ، وهو أساس العقود بصفة عامة ، وأساس المبادلات المالية بصفة خاصة ، فلا بيع ولا شراء ولا إجارة ولا شركة ولا غيرها من عقود التجارة ما لم يتحقق الرضا .
قال بعضهم : وحقيقة التراضي لا يعلمها إلا اللَّه - تعالى - والمراد ها هنا أمارته . كالإيجاب والقبول وكالتعاطى عند القائل به . وقد قال - تعالى - * ( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) * فدل ذلك على أن مجرد التراضي هو المناط . ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كتابة ، بأي لفظ وقع وعلى أي صفة كان ، وبأي إشارة مفيدة حصل » « 1 » .
وقال الآلوسي : والمراد بالتراضي مراضاة المتبايعين بما تعاقدوا عليه في حال المبايعة وقت الإيجاب والقبول عندنا . وعند المالكية والشافعية حالة الافتراق عن مجلس العقد وقيل التراضي : التخيير بعد البيع . . . » « 2 » .
هذا ، وظاهر قوله - تعالى - * ( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) * يفيد إباحة جميع أنواع التجارات ما دام قد حصل التراضي بين المتعاقدين ، ولكن هذا الظاهر غير مراد لأن الشارع قد حرم المتاجرة في أشياء معينة حتى ولو تم التراضي بين المتعاقدين فيها ، وذلك مثل المتاجرة في الخمر والميتة ولحم الخنزير ، ومثل بيع الغرر والعبد الآبق ونحو ذلك مما نهى عنه الشارع من العقود والمعاملات .
وقوله * ( ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) * معطوف على ما قبله .
وللعلماء في تأويله اتجاهات : فمنهم من يرى أن معناه : ولا يقتل بعضكم بعضا ، فإن قتل بعضكم لبعض قتل لأنفسكم . والتعبير عن قتل بعضهم لبعض بقتل أنفسهم للمبالغة في الزجر عن هذا الفعل ، وبتصويره بصورة مالا يكاد يفعله عاقل .
وإلى هذا المعنى اتجه الفخر الرازي فقد قال : اتفقوا على أن هذا نهى عن أن يقتل بعضهم بعضا . وإنما قال : * ( أَنْفُسَكُمْ ) * لقوله صلى اللَّه عليه وسلم « المؤمنون كنفس واحدة » . ولأن العرب يقولون :
هامش
( 1 ) تفسير القاسمي ج 5 ص 1203 .
( 2 ) تفسير الآلوسي ج 5 ص 16 .