تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم لأن قتل بعضهم يحرى مجرى قتلهم » « 1 » . ومنهم من يرى أن معناه النهى عن قتل الإنسان لنفسه . ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا . ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا . ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ - أي يطعن - بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا » « 2 » . وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال : أتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص - أي سهام عراض واحدها مشقص - فلم يصل عليه « 3 » . ومنهم من يرى أن معناه : لا تقتلوا أنفسكم بأكل بعضكم أموال بعض وبارتكابكم للمعاصي التي نهى اللَّه عنها ، فإن ذلك يؤدى إلى إفساد أمركم ، وذهاب ريحكم ، وتمزق وحدتكم ، ولا قتل للأمم والجماعات أشد من فساد أمرها ، وذهاب ريحها . وقد ذهب إلى هذا المعنى الإمام ابن كثير فقد قال : وقوله : * ( ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) * أي بارتكاب محارم اللَّه - وتعاطى معاصيه ، وأكل أموالكم بينكم بالباطل » « 4 » . والذي نراه أن الجملة الكريمة تتناول كل هذه الاتجاهات ، فهي تنهى المسلم عن أن يقتل نفسه ، كما أنها تنهاه عن أن يقتل غيره ، وهي أيضا تنهاه عن ارتكاب المعاصي التي تؤدى إلى هلاكه . وقدم - سبحانه - النهى عن أكل الأموال بالباطل على النهى عن قتل الأنفس مع أن الثاني أخطر ، للإشعار بالتدرج في النهى من الشديد إلى الأشد ولأن وقوعهم في أكل الأموال بالباطل كان أكثر منهم وأسهل عليهم من وقوعهم في القتل . وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( إِنَّ اللَّه كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) * لبيان أن ما نهى اللَّه عنه من محرمات ، وما أباحه من مباحات ، إنما هو من باب الرحمة بالناس ، وعدم المشقة عليهم . فاللَّه - تعالى - رؤوف بعباده ومن مظاهر ذلك أنه لم يكلفهم إلا بما هو في قدرتهم واستطاعتهم .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 72 . ( 2 ) أخرجه البخاري في باب شرب السم من كتاب الطب ج 1 ص 181 ، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان ج 1 ص 181 . ( 3 ) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز ج 3 ص 66 ( 4 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 480