فأنت ترى أن هذه الآية قد بينت جانبا من مظاهر فضل اللَّه ورحمته بعباده ، حيث كشفت للناس أن اللَّه - تعالى - يريد بإنزاله لهذا القرآن أن يبين لهم التكاليف التي كلفهم بها ليعرفوا الخير من الشر ، وأن يرشدهم إلى سبيل من تقدمهم من أهل الحق ، وأن يغفر لهم ذنوبهم متى أخلصوا له التوبة .
ثم أخبر - سبحانه - عما يريده لعباده من خير وصلاح وما يريده لهم الفاسقون من شر وفساد فقال - تعالى - : * ( واللَّه يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً ) * .
أي : واللَّه - تعالى - يريد منكم أن تفعلوا ما يجعلكم أهلا لمغفرته ورضوانه وما يفضى بكم إلى قبول توبتكم ، وارتفاع منزلتكم عنده ، بينما يريد الذين يتبعون الشهوات من أهل الكفر والفسوق والعصيان أن تبتعدوا عن الحق والخير ابتعادا عظيما . والميل : أصله الانحراف من الوسط إلى جانب من الجوانب : ولما كان الاعتدال عبارة عن العدل والتوسط ، أطلق الميل على الجور والابتعاد عن الحق .
ووصف الميل بالعظم للإشعار بأن الذين يتبعون الشهوات لا يكتفون من غيرهم بالميل اليسير عن الحق ، وإنما يريدون منهم انحرافا مطلقا عن الطريق المستقيم الذي أمر اللَّه بسلوكه والسير فيه .
وهؤلاء الذين وصفهم اللَّه بما وصف موجودون في كل زمان ، وتراهم دائما يحملون لواء الرذيلة والفجور تارة باسم الحرية وتارة باسم المدنية . وقد حذر اللَّه - تعالى - عباده منهم حتى لا يتأثروا بهم ، وحتى يقاوموهم ويكشفوا عن زيفهم وضلالهم « ويأبى اللَّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون » .
ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان رحمته ورأفته بعباده فقال : * ( يُرِيدُ اللَّه أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً ) * .
أي : يريد اللَّه بما شرعه لكم من أحكام ، وبما كلفكم به من تكاليف هي في قدرتكم واستطاعتكم أن يخفف عنكم في شرائعه وأوامره ونواهيه ، لكي تزدادوا له في الطاعة والاستجابة والشكر .
* ( وخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً ) * أي لا يصبر على مشاق الطاعات ، فكان من رحمة اللَّه - تعالى - به أن خفف عنه في التكاليف .
وهذا اليسر والتخفيف في التكاليف من أبرز مميزات الشريعة الإسلامية ، وقد بين القرآن
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 123
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٢٣