مسودا وهو كظيم * ( 58 ) * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه
على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون * ( 59 ) * للذين لا يؤمنون
بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم * ( 60 ) *
ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن
يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة
ولا يستقدمون * ( 61 ) * ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم
الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون * ( 62 ) *
تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم
فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم * ( 63 ) * وما أنزلنا عليك الكتاب إلا
لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون * ( 64 ) *
والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في
ذلك لآية لقوم يسمعون * ( 65 ) * وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم
مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين * ( 66 ) *
ومن ثمرات النخيل والأعنب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا
إن في ذلك لآية لقوم يعقلون * ( 67 ) * وأوحى ربك إلى النحل
شرح
مسودا ) متغيرا من الغم ( وهو كظيم ) ممتلئ غيظا فكيف تجعلون البنات له تعالى ( يتوارى ( 1 ) من القوم ) يختفي من
قومه مخافة العار ( من سوء ما بشر به ) عنده مفكرا ماذا يصنع به ( أيمسكه على هون ) أيتركه على هوان وذل ( أم يدسه )
يخفيه بدفنه ( في التراب ) حيا وهو الوأد وذكر الضمير للفظ ما ( ألا ساء ) بئس ( ما يحكمون ) حكمهم هذا حيث
جعلوا ما هذا محله عندهم لربهم المتنزه عن الأولاد ( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ) الصفة السوء وهي الحاجة إلى
الأولاد ( ولله المثل الأعلى ( 2 ) ) كالتفرد والغنى والجود ( وهو العزيز الحكيم ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ) بعصيانهم
( ما ترك عليها ) على الأرض بقرينة الناس والدابة ( من دابة ) تدب عليها فيهلك الظلمة عقوبة لهم وغيرهم بشؤمهم
أو أهلك الآباء بظلمهم لبطل نسلهم ولهلكت الدواب
المخلوقة لهم أو من دابة ظالمة ( ولكن يؤخرهم إلى
أجل مسمى ) هو منتهى أعمارهم أو القيامة
ليتوالدوا ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ) عنه
( ساعة ولا يستقدمون ) عليه فيؤاخذون حينئذ
( ويجعلون لله ما يكرهون ) لأنفسهم من البنات والشركاء
في الرياسة وإهانة الرسل وردئ المال ( وتصف
ألسنتهم الكذب ) مع ذلك وهو زعمهم ( أن لهم
الحسنى ( 3 ) ) عند الله أي الجنة إن صح البعث
( لا جرم ) حقا ( أن لهم النار ) لا الحسنى ( وأنهم
مفرطون ( 4 ) ) مقدمون إلى النار ( تالله لقد أرسلنا )
رسلا ( إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم )
القبيحة فأصروا عليها ( فهو وليهم اليوم ) متولي
أمورهم في الدنيا أو ناصرهم في القيامة ( ولهم عذاب
أليم ) في القيامة ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين
لهم ) للناس ( الذي اختلفوا فيه ) من التوحيد
والعدل والأحكام والبعث ( وهدى ورحمة لقوم
يؤمنون والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض )
بالنبات ( بعد موتها ) يبسها ( إن في ذلك لآية ) دالة على التوحيد والبعث ( لقوم يسمعون ) سماع اعتبار ( وإن لكم
في الأنعام لعبرة ) لاعتبارا ( نسقيكم ( 5 ) مما في بطونه ) أي الأنعام فإن لفظه مفرد ومعناه جمع كالرهط ( من ) ابتدائية
تتعلق بنسقيكم ( بين فرث ودم لبنا خالصا ) لا يشوبه لون ولا رائحة ولا طعم من الفرث والدم ( سائغا للشاربين ) سهل
الجواز في حلوقهم ( ومن ثمرات النخيل والأعناب ) خبر محذوف أي ثمر صفته ( تتخذون منه سكرا ) مصدر سمي به
الخمر وفيه إشعار بتحريمها بوصف قسيمها بالحسن ( ورزقا حسنا ) كالتمر والزبيب والدبس والخل فلا تكون هي
حسنة فليست بحلال فالآية جامعة بين العتاب والمنة ، وقيل السكر الأشربة الحلال والرزق الحسن المأكول اللذيذ ( إن في
ذلك لآية لقوم يعقلون وأوحى ( 6 ) ربك إلى النحل ) ألهمها . . .
هامش
( 1 ) يتورارى : بكسر الراء .
( 2 ) الاعلى : بكسر اللام .
( 3 ) الحسنى : بكسر النون .
( 4 ) مفرطون : بكسر الراء .
( 5 ) نسقيكم - نسقيكم : بفتح نون الأولى وتاء الثانية .
( 6 ) أوحى بكسر الحاء