لأنّ هذا أمر بالأكل والشرب ، وذاك أمر بالسكوت عن فضول الكلام ، فعرفنا أنّ أعظم الصوم : السكوت عن فضول الكلام ، وهذا لو لم يكن كذلك ما قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه واله وسلم :
« من صمت نجا » ( 132 ) .
والحكمة في ذلك أنّ صمت الظاهر من القول باللسان سبب لنطق الباطن والقول بالجنان ، ولهذا إذا سكتت مريم عليها السّلام من القول باللسان نطق عيسى عليه السّلام في المهد بالبيان ، ودعوى خلافة الرحمن ، فافهم جدّا فإنّه دقيق .
ويعرف من هذا سرّ قوله عليه السّلام :
« من أخلص للَّه تعالى أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » ( 133 ) .
هامش
( 132 ) قوله : من صمت نجا .
أخرجه ابن حنبل في مسنده ج 2 ص 159 ، بإسناده عن عبد اللَّه بن عمرو ، عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه واله وسلم .
ورواه المجلسي عن كتاب « مكارم الأخلاق » في وصيّة النبيّ صلَّى اللَّه عليه واله لأبي ذرّ الغفاري ، ج 77 ص 88 .
( 133 ) قوله : من أخلص للَّه تعالى أربعين صباحا .
أخرجه الغزالي في « إحياء علوم الدّين » كتاب النيّة والإخلاص ، الباب الثاني ، ج 4 ص 545 ، وأخرجه أيضا السهروردي في « عوارف المعارف » الباب السادس والعشرون .
وأيضا أخرجه فيه في الباب الثامن والعشرون بإسناده عن مكحول ، قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه واله وسلم :
« من أخلص للَّه تعالى العبادة أربعين يوما ، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » .
وروى الصدوق في « عيون أخبار الرضا » ج 2 ص 69 بإسناده عن جابر بن عبد اللَّه ، قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه واله وسلم :
« ما أخلص عبد للَّه عزّ وجلّ أربعين صباحا إلَّا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » .
وروى الكليني بإسناده عن السندي عن الباقر عليه السّلام قال :
« ما أخلص العبد الإيمان باللَّه عزّ وجلّ أربعين يوما - أو قال : ما أجمل عبد ذكر اللَّه عزّ وجلّ أربعين يوما - إلَّا زهّده اللَّه عزّ وجلّ في الدّنيا وبصّره داءها ودواءها ، فأثبت الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه » .
وراجع تفسير المحيط الأعظم ج 1 ص 262 ، التعليق 42 .