احتجابه ، ولهذا خصّت بالمغرب .
ثمّ صلاة العشاء أربعا بإزاء الأعضاء الأربعة الَّتي هي أصول الأعضاء ومبادئ قواها الَّتي يتمّ بها أمر البدن المسماة أعضاء رئيسية ، وهي الثلاث :
الدماغ ، والكبد ، والأنثيان ، فإنّها محالّ القوى الَّتي تبني عليها حياة الإنسان ، وبقاه بالشخص والنوع ، وتكمل جسده ، واستقرت سلطنته واشتدّ أمره وقوّى .
ولهذا خصّ بدخول الغسق وحصول الوقت ووقت النوم ، فإنّ كمال أعضاء البدن يوجب استنامة الروح إليه واستغراقه ، وإذا انتهى زمان ازدياد القوى البدنية والأعضاء ، وتمّت سلطنتها وكملت بكمال البدن ، وفرغ الروح من غمراته والإقبال إلى الطبيعة بالإمداد لتمامه ، أقبل إلى عالمه وظهر نور عقله وابتداء تجرّده وانتبه من نومه ، وظهر القلب أو حدب بإدراك الكلَّيات واستخراجها من الجزئيات ، كانقضاء مدّة الليل بطولها ، وطلع الصبح المعنوي بظهور نور شمس الروح ورجوعها إلى الأفق الشرقي من عامله باعتبار ، والغربي الَّذي أفل فيه باعتبار .
وجاء وقت صلاة الصبح وخصّ وقتها للمناسبة وجعلت ركعتين بإزاء الروح والبدن ، كما أن الإنسان قبل البلوغ وظهور العقل كان شيئا واحدا جمسا طبيعيّا فصار بذلك شيئين .
( في حكمة أوضاع الصلاة وأركانها )
وأمّا أوضاعها وأركانها على الترتيب المعلوم ( 81 ) ، فإنّ القيام في
هامش
( 81 ) قوله : وأمّا أوضاعها وأركانها على الترتيب المعلوم .
روى جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ قال : كنت مع مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام فرأى رجلا قائما يصلَّي فقال له : « يا هذا أتعرف تأويل الصلاة » ؟ فقال : يا مولاي وهل للصلاة تأويل غير العبادة ؟ فقال : « أي والَّذي بعث محمّد صلَّى اللَّه عليه واله بالنبوّة ، وما بعث اللَّه نبيّه بأمر إلَّا وله تشابه وتأويل وتنزيل ، وكلّ ذلك يدلّ على التعبّد » ، فقال له : علَّمني ما هو يا مولاي ؟
فقال عليه السّلام :
« تأويل تكبيرتك الأولى إلى إحرامك أن تخطر في نفسك إذا قلت : اللَّه أكبر من أن يوصف بقيام أو قعود ، وفي الثانية ، أن يوصف بحركة أو جمود ، وفي الثالثة ، أن يوصف بجسم أو يشبه بشبه أو يقاس بقياس ، وتخطر في الرابعة أن تحلَّه الأعراض ، أو تؤلمه الأمراض ، وتخطر في الخامسة أن يوصف بجوهر أو بعرض أو يحلّ شيئا أو يحلّ فيه شيء ، وتخطر في السادسة أن يجوز عليه ما يجوز على المحدثين من الزّوال والانتقال ، والتغيّر من حال إلى حال ، وتخطر في السابعة أن تحلَّه الحواسّ الخمس .
ثمّ تأويل مدّ عنقك في الركوع تخطر في نفسك آمنت بك ولو ضربت عنقي .
ثمّ تأويل رفع رأسك من الركوع إذا قلت : ( سمع اللَّه لمن حمده ، الحمد للَّه ربّ العالمين ) ، تأويله : الَّذي أخرجني من العدم إلى الوجود .
وتأويل السجدة الأولى أن تخطر في نفسك وأنت ساجد : منها خلقتني ، ورفع رأسك تأويله : ومنها أخرجتني .
والسجدة الثانية : وفيها تعيدني ، ورفع رأسك تخطر بقلبك : ومنها تخرجني تارة أخرى .
وتأويل قعودك على جانبك الأيسر ورفع رجلك اليمنى وطرحك على اليسرى تخطر بقلبك اللَّهم إنّي أقمت الحقّ وأمتّ الباطل . وتأويل تشهّدك تجديد الإيمان ومعاودة الإسلام ، والإقرار بالبعث بعد الموت .
وتأويل قراءة التحيّات تمجيد الربّ سبحانه وتعظيمه عمّا قال الظالمون ونعته الملحدون .
وتأويل قولك : ( السّلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته ) ترحّم عن اللَّه سبحانه فمعناها : هذه أمان لكم من عذاب يوم القيامة » .
ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « من لم يعلم تأويل صلاته هكذا ، فهي خداج ، أي ناقصة » .
( بحار الأنوار ج 84 ، ص 253 ، الحديث 52 ) .