تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
أم أراد بهم ربهم رشدا ) * ، فحذف الفاعل في إرادة الشر تأدبا مع الله ، وأضافوا إرادة الرشد إليه . وقريب من هذا قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام ، في خطابه لما اجتمع أبوه وإخوته : * ( إذ أخرجني من السجن ) * ، ولم يقل : " من الجب " مع أن الخروج منه أعظم من الخروج من السجن . وإنما آثر ذكر السجن لوجهين ذكرهما ابن عطية : أحدهما : أن في ذكر الجب تجديد فعل إخوته ، وتقريعهم بذلك ، وتجديد تلك الغوائل . والثاني : أنه خرج من الجب إلى الرق ، ومن السجن إلى الملك ، والنعمة هنا أوضح . انتهى وأيضا ولأن بين الحالين بونا من ثلاثة أوجه : قصر المدة في الجب وطولها في السجن ، وأن الجب كان في حال صغره ، ولا يعقل فيها المصيبة ، ولا تؤثر في النفس كتأثيرها في حال الكبر . والثالث أن أمر الجب كان بغيا وظلما لأجل الحسد ، وأمر السجن كان لعقوبة أمر ديني هو منزه عنه ، وكان أمكن في نفسه . والله أعلم بمراده . ومثله قوله تعالى : * ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) * ، وقال : * ( وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ) * ، فحذف الفاعل عند ذكر الرفث وهو الجماع ، وصرح به عند إحلال العقد . وقال تعالى : * ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ) * ، فحذف الفاعل عند ذكر هذه الأمور .