تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
قال الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور في كتاب ( فك الأزرار عن عنق الأسرار ) : لما أراد ذكر العيب للسفينة نسبه لنفسه أدبا مع الربوبية ، فقال : " فأردت " ولما كان قتل الغلام مشترك الحكم بين المحمود والمذموم ، استتبع نفسه مع الحق ، فقال في الإخبار بنون الاستتباع ، ليكون المحمود من الفعل - وهو راحة أبويه المؤمنين من كفره - عائدا على الحق سبحانه ، والمذموم ظاهرا - وهو قتل الغلام بغير حق - عائدا عليه . وفى إقامة الجدار كان خيرا محضا ، فنسبه للحق فقال : * ( فأراد ربك ) * ، ثم بين أن الجميع من حيث العلم التوحيدي من الحق ، بقوله : * ( وما فعلته عن أمري ) * . وقال ابن عطية : إنما أفرد أولا في الإرادة لأنها لفظ غيب ، وتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه ، كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله : * ( وإذا مرضت فهو يشفين ) * ، فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله ، وأسند المرض إلى نفسه ، إذ هو معنى نقص ومعابة ، وليس من جنس النعم المتقدمة . وهذا النوع مطرد في فصاحة القرآن كثيرا ، ألا ترى إلى تقديم فعل البشر في قوله تعالى : * ( فلما زاغوا عنه أزاغ الله قلوبهم ) * ! وتقديم فعل الله في قوله تعالى : * ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) * ; وإنما قال الخضر في الثانية : * ( فأردنا ) * ، لأنه قد رواه الله وأصحابه الصالحون ، وتكلم فيه في معنى الخشية على الوالدين ، وتمنى التبديل لهما ; وإنما أسند الإرادة في الثالثة إلى الله تعالى لأنها أمر مستأنف في الزمن الطويل ، غيب من الغيوب ، فحسن إفراد هذا الموضع بذكر الله تعالى : ومثله قول مؤمني الجن : * ( وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض