تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
معارضته فيها للتهكم ، كما يقوله الواثق بغلبته على من يعاديه : " إن غلبتك " ، وهو يعلم أنه غالبه تهكما به . وقوله تعالى : * ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ) * ، والمراد ب‍ " من لا يخلق " الأصنام ، وكان أصله كما لا يخلق ، لأن " ما " لمن لا يعقل بخلاف " من " ، لكن خاطبهم على معتقدهم ; لأنهم سموها آلهة ، وعبدوها فأجروها مجرى أولى العلم ، كقوله للأصنام : * ( ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد . . . ) * الآية ، أجرى عليهم ضمير أولى العقل . كذا قيل . ويرد عليه أنه إذا كان معتقدهم خطأ وضلالة ، فالحكم يقتضى ألا ينزعوا عنه ويقلعوا ، لا أن يبقوا عليه ; إلا أن يقال : الغرض من الخطاب الإيهام ، ولو خاطبهم على خلاف معتقدهم فقال : " كما لا يخلق " ، لاعتقدوا تعالى أن المراد به غير الأصنام من الجماد . وكذا ما ورد من الخطاب بعسى ولعل ; فإنها على بابها في الترجي والتوقع ، ولكنه راجع إلى المخاطبين ، قال الخليل وسيبويه في قوله تعالى : * ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) * : اذهبا إلى رجائكما وطمعكما ، لعله يتذكر عندكما ، فأما الله تعالى فهو عالم بعاقبة أمره ، وما يؤول إليه ; لأنه يعلم الشئ قبل أن يكون . وهذا أحسن من قول الفراء : إنها تعليلة ، أي كي يتذكر ، لما فيه من إخراج اللفظ عن موضعه . ومنه التعجب الواقع في كلام الله ، نحو : * ( فما أصبرهم على النار ) * ، أي هم أهل أن يتعجب منهم ، ومن طول تمكنهم في النار .