تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
والثاني : إهلاكهم في الدنيا وتبديل أمثالهم ; فيكون كقوله : * ( إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ) * ، فإن كان المراد في الدنيا ، وجب أن يجعل هذا بمعنى " إن " الشرطية ; لأن هذا شئ لم يكن ، فهي مكان " إن " ، لأن الشرط يمكن أن يكون وألا يكون ، ألا ترى إلى ظهورها في قوله تعالى : * ( إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ) * ، * ( إن نشأ نخسف بهم الأرض ) * ، وإنما أجاز ل‍ " إذا " أن تقع موقع " إن " لما بينهما من التداخل والتشابه . وقال ابن الجويني : الذي أظنه أنه يجوز دخولها على المتيقن والمشكوك ، لأنها ظرف وشرط ، فبالنظر إلى الشرط تدخل على المشكوك ، ك‍ " إن " ، وبالنظر إلى الظرف تدخل على المتيقن كسائر الظروف . وإنما اشترط فيما تدخل عليه إن " أن " يكون مشكوكا فيه ; لأنها تفيد الحث على الفعل المشروط لاستحقاق الجزاء ، ويمتنع فيه لامتناع الجزاء ، وإنما يحث على فعل ما يجوز ألا يقع ، أما ما لابد من وقوعه فلا يحث عليه . وإنما امتنع دخول " إذا " على المشكوك إذا لحظت فيها الظرفية ، لأن المعنى حينئذ التزام الجزاء في زمان وجود الشرط ، والتزام الشئ في زمان لا يعلم وجود شرط فيه ليس بالتزام . ولما كان الفعل بعد " إن " مجزوما به يستعمل فيه ما ينبئ عن تحققه ، فيغلب لفظ الماضي ، كقوله : * ( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة ) * ، فجئ ب‍ " إذا " في جانب الحسنة ، وب‍ " إن " في جانب السيئة ; لأن المراد بالحسنة جنس الحسنة ، ولهذا عرفت ، وحصول الحسنة المطلقة مقطوع به ، فاقتضت البلاغة التعبير ب‍ " إذا " وجئ ب‍ " إن " في جانب السيئة ، لأنها نادرة بالنسبة إلى الحسنة المطلقة ، كالمرض بالنسبة إلى الصحة ، والخوف بالنسبة إلى الأمن .