تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
في التخييل والتشبيه مع الإيجاز ، نحو لقيت أسدا ، وتعنى به الشجاع . وحقيقتها أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها ، وحكمة ذلك إظهار الخفي وإيضاح الظاهر الذي ليس بجلي ، أو بحصول المبالغة أو للمجموع . فمثال إظهار الخفي قوله تعالى : ( وإنه في أم الكتاب ) ، فإن حقيقته أنه في أصل الكتاب ، فاستعير لفظ " الأم " للأصل ، لأن الأولاد تنشأ من الأم ، كما تنشأ الفروع من الأصول . وحكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئي حتى يصير مرئيا ، فينتقل السامع من حد السماع إلى حد العيان ، وذلك أبلغ في البيان . ومثال إيضاح ما ليس بجلي ليصير جليا ، قوله تعالى : ( واخفض لهما جناح الذل ) ، لأن المراد أمر الولد بالذل لوالديه رحمة ، فاستعير للولد أولا جانب ، ثم للجانب جناح ، وتقدير الاستعارة القريبة : واخفض لهما جانب الذل ، أي اخفض جانبك ذلا . وحكمة الاستعارة في هذا جعل ما ليس بمرئي مرئيا ، لأجل حسن البيان ، ولما كان المراد خفض جانب الولد للوالدين ، بحيث لا يبقى الولد من الذل لهما والاستكانة مركبا ، احتيج من الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى ، فاستعير الجناح ، لما فيه من المعاني التي لا تحصل من خفض الجناح ، لأن من ميل جانبه إلى جهة السفل أدنى ميل ، صدق عليه أنه خفض جانبه ، والمراد خفض يلصق الجنب بالإبط ، ولا يحصل ذلك إلا بخفض الجناح كالطائر ، وأما قول أبي تمام : لا تسقني ماء الملام فإنني * صب قد استعذبت ماء بكائي فيقال : إنه أرسل إليه قارورة ، وقال : ابعث إلى فيها شيئا من ماء الملام ، فأرسل
البرهان — صفحة 433 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم