تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
أبو تمام : أن ابعث لي ريشة من جناح الذل أبعث إليك من ماء الملام . وهذا لا يصح له تعلق به ، والفرق بين التشبيهين ظاهر ، لأنه ليس جعل الجناح للذل كجعل الماء للملام ، فإن الجناح للذل مناسب ، فإن الطائر إذا وهي وتعب بسط جناحه وألقى نفسه إلى الأرض . وللإنسان أيضا جناح ، فإن يديه جناحاه ، وإذا خضع واستكان يطأطئ من رأسه ، وخفض من بين يديه ، فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل ، وصار شبها مناسبا . وأما ماء الملام فليس كذلك في مناسبة التشبيه ، فلذلك استهجن منه . على أنه قد يقال : إن الاستعارة التخييلية فيه تابعة للاستعارة بالكناية ، فإن تشبيه الملام بظرف الشراب لاشتماله على ما يكرهه الشارب لمرارته ، ثم استعار الملام له كمائه ، ثم يخرج منه شيء يشبه بالماء ، فالاستعارة في اسم الماء . الثاني في أنها قسم من أقسام المجاز ، لاستعمال اللفظ في غير ما وضع له . وقال الإمام فخر الدين : ليس بمجاز لعدم النقل . وفي الحقيقة هي تشبيه محذوف الأداة لفظا وتقديرا ، ولهذا حدها بعضهم بادعاء معنى الحقيقة في الشيء ، مبالغة في " التشبيه ، كقولهم : انشقت عصاهم ، إذا تفرقوا ، وذلك للعصا لا للقوم ، ويقولون : كشفت الحرب عن ساق . ويفترقان في أن التشبيه إذا ذكرت معه الأداة فلا خفاء أنه تشبيه ، وإن حذفت فهذا يلتبس بالاستعارة ، فإذا ذكرت المشبه كقولك : زيد الأسد فهذا تشبيه بليغ ، كقوله تعالى : ( صم بكم عمي ) ، وإن لم يذكر المشبه به فهو استعارة ، كقوله : لدى أسد شاكي السلاح مقذف له لبد أظفاره لم تقلم
البرهان — صفحة 434 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم