أبو تمام : أن ابعث لي ريشة من جناح الذل أبعث إليك من ماء الملام .
وهذا لا يصح له تعلق به ، والفرق بين التشبيهين ظاهر ، لأنه ليس جعل الجناح للذل
كجعل الماء للملام ، فإن الجناح للذل مناسب ، فإن الطائر إذا وهي وتعب بسط جناحه وألقى
نفسه إلى الأرض . وللإنسان أيضا جناح ، فإن يديه جناحاه ، وإذا خضع واستكان
يطأطئ من رأسه ، وخفض من بين يديه ، فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل ، وصار
شبها مناسبا . وأما ماء الملام فليس كذلك في مناسبة التشبيه ، فلذلك استهجن منه . على أنه
قد يقال : إن الاستعارة التخييلية فيه تابعة للاستعارة بالكناية ، فإن تشبيه الملام بظرف
الشراب لاشتماله على ما يكرهه الشارب لمرارته ، ثم استعار الملام له كمائه ، ثم يخرج منه شيء
يشبه بالماء ، فالاستعارة في اسم الماء .
الثاني
في أنها قسم من أقسام المجاز ، لاستعمال اللفظ في غير ما وضع له .
وقال الإمام فخر الدين : ليس بمجاز لعدم النقل . وفي الحقيقة هي تشبيه محذوف الأداة
لفظا وتقديرا ، ولهذا حدها بعضهم بادعاء معنى الحقيقة في الشيء ، مبالغة في " التشبيه ،
كقولهم : انشقت عصاهم ، إذا تفرقوا ، وذلك للعصا لا للقوم ، ويقولون : كشفت الحرب
عن ساق .
ويفترقان في أن التشبيه إذا ذكرت معه الأداة فلا خفاء أنه تشبيه ، وإن حذفت فهذا
يلتبس بالاستعارة ، فإذا ذكرت المشبه كقولك : زيد الأسد فهذا تشبيه بليغ ، كقوله
تعالى : ( صم بكم عمي ) ، وإن لم يذكر المشبه به فهو استعارة ، كقوله :
لدى أسد شاكي السلاح مقذف له لبد أظفاره لم تقلم
البرهان — صفحة 434
مساهمون: الزركشي
ص٤٣٤