تغشاهم الظَّلمات ، وتتلاطم بهم الشّبهات ، فجازوا عن وجهتهم ونكصوا على أعقابهم ، وتولَّوا على أدبارهم ، وعوّلوا على أحسابهم ، إلَّا من فاء من أهل البصائر ، فإنّهم فارقوك بعد معرفتك ، وهربوا إلى اللَّه من موازرتك ، إذ حملتهم على الصّعب ، وعدلت بهم عن القصد . فاتّق اللَّه يا معاوية في نفسك ، وجاذب الشّيطان قيادك ، فإنّ الدّنيا منقطعة عنك ، والآخرة قريبة منك ، والسّلام .
شرح
( تغشاهم الظَّلمات ) أي تعلوهم ظلمات الجهل والضّلال ، فهم في تلك الظَّلمات لا يعرفون الطَّريق ( وتتلاطم بهم الشّبهات ) كما تتلاطم أمواج البحر ( فجاوزوا عن وجهتهم ) أي تعدّوا عن جهة قصدهم الَّذي كان الحق ( ونكصوا ) أي رجعوا ( على أعقابهم ) إلى الوراء ، والى زمان الجاهليّة ، تشبيه بمن يرجع القهقرى ، عوض أن يمشى إلى الأمام ( وتولَّوا ) أي أدبروا عن الحق ( على أدبارهم ) جمع دبر وهو الوراء .
( وعوّلوا ) أي اعتمدوا ( على أحسابهم ) فتعصّبوا تعصّب الجاهليّة ، بخلاف ما جعله اللَّه سبحانه ميزانا من التّقوى ، وذلك انّ معاوية قوى العنصريّة العربيّة ونادى صراحة بالقوميّة ( إلَّا من فاء ) أي رجع ( من أهل البصائر ) جمع بصيرة بمعنى المعرفة ( فانّهم فارقوك بعد معرفتك ) أي بعد أن عرفوا انّك مخالف للاسلام ( وهربوا إلى اللَّه ) بالتّوبة والإنابة ( من موازرتك ) أي إعانتإذ حملتهم على الصّعب ) أي لمّا رأوا انّك أكرهتهم على الأمر الصّعب الَّذي هو خلاف الدّين ( وعدلك بهم عن القصد ) أي وسط الطَّريق ، إلى المهاوي والضّلالات ( فاتّق اللَّه يا معاوية في نفسك ) أي خفه سبحانه خوفا باطنا ، لا مجرّد اظهار الخوف لخدعة النّاس ، أو المراد لأجل نفسك و « في » للنّسبة ( وجاذب الشّيطان قيادك ) فأخرج قيادك وزمامك من يد الشّيطان الَّذي يقودك إلى النّار والعقاب ( فانّ الدّنيا منقطعة عنك ) أي زائلة غير باقية ( والآخرة قريبة منك ) فالَّلازم أن تفكر لآخرتك ( والسّلام ) .