وقد أمّر منها ما كان حلوا وكدر منها ما كان صفوا ، فلم يبق منها إلَّا سملة كسملة الإداوة أو جرعة كجرعة المقلة ، لو تمزّزها الصّديان لم ينقع . فأزمعوا عباد اللَّه الرّحيل عن هذه الدّار المقدور على أهلها الزّوال ، ولا يغلبنّكم فيها الأمل ، ولا يطولنّ عليكم الأمد . فواللَّه لو حننتم حنين الولَّه العجال ،
شرح
الهلاك الغاية ( وقد أمرّ ) أي صار مرا نحو اظلم بمعنى صار الظلام ( منها ) أي من الدنيا ( ما كان حلوا ) هذا كناية عن المشاكل التي حدثت فيها ( وكدر منها ) أي من الدنيا ( ما كان صفوا ) أي تغير لونه من الصفاء إلى الكدورة ( فلم يبق منها إلا سملة ) هي بقية الماء في الحوض ونحوه ( كسملة الإداوة ) هي المطهرة التي يتطهر بها وذكر ذلك لتأكيد الحقارة ( أو جرعة ) هي المقدار الَّذي يتجرعه الانسان مرة واحدة ( كجرعة المقلة ) المقلة حصات كان المسافرون يضعونها في الاناء ثم يصبون الماء فيه إلى أن يغمرها ويتناول كل منهم مقدار ما غمره ، يفعلون ذلك لتسوية القسمة فيما شح مائهم ( لو تمززها ) التمزز الامتصاص قليلا قليلا ( الصديان ) هو العطشان ( لم ينقع ) أي لم يرو من العطش ( فأزمعوا ) أي اعزموا ، يا ( عباد اللَّه الرحيل ) فان مريد السفر يخفف حمله ويهتم بالأمر ، وليس كالضاعن الَّذي لا يبالي .
( عن هذه الدار المقدور على أهلها الزوال ) أي ان اللَّه سبحانه قدر وحكم على زوال أهلها وعدم بقائهم فيها ( ولا يغلبنكم فيها ) أي في الدنيا ( الأمل ) فتأملون البقاء الطويل ، وتهتمون بها ( ولا يطولن عليكم الأمد ) بان إذا رأيتم انه قد طال أمدكم ومدتكم في البقاء ، تركنون إليها وتنسون الآخرة ( فواللَّه لو حننتم ) التحنن العطف والميل ( حنين الولَّه ) جمع واله ، وهى الإبل التي فقدت ولدها ، كما يأتي جمع والهة أيضا ( العجال ) جمع عجول وهى الإبل التي فقدت ولدها ، وكان الوصفين باعتبارين انها والهة وانها تعجل في الأمر للحصول على ولدها