تبت يدا أبي لهب وتب . ما أغنى عنه ماله وما كسب .
شرح
يروى أخذ حجرا ليرمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وتب ) وهلك كله ، أو جعلت يداه هالكتين ، والمراد
هلاك جملته كقوله تعالى - بما قدمت يداك - ومعنى وتب : وكان ذلك وحصل كقوله :
جزاني جزاه الله شر جزائه * جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
ويدل عليه قراءة ابن مسعود وقد تب ، وروي أنه لما نزل " - وأنذر عشيرتك الأقربين - رقى الصفا وقال :
يا صباحاه ، فاستجمع إليه الناس من كل أوب فقال : يا بني عبد المطلب يا بني فهر إن أخبرتكم أن بسفح هذا
الجبل خيلا أكنتم مصدقي ؟ قالوا : نعم ، قال : فإني نذير لكم بين يدي الساعة ، فقال أبو لهب : تبا لك ألهذا
دعوتنا ؟ فنزلت " . فإن قلت : لم كناه والتكنية تكرمة ؟ قلت : فيه ثلاثة أوجه : أحدها أن يكون مشتهرا بالكنية
دون الاسم ، فقد يكون الرجل معروفا بأحدهما ولذلك تجري الكنية على الاسم أو الاسم على الكنية عطف بيان ،
فلما أريد تشهيره بدعوة السوء وأن تبقى سمة له ذكر الأشهر من علميه ، ويؤيد ذلك قراءة من قرأ يدا أبو لهب كما
قيل علي بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان لئلا يغير منه شئ فيشكل على السامع ، ولفليتة ابن قاسم أمير مكة
ابنان : أحدهما عبد الله بالجر والآخر عبد الله بالنصب ، وكان بمكة رجل يقال له عبد الله بجرة الدال لا يعرف إلا
هكذا . والثاني أنه كان اسمه عبد العزى فعدل عنه إلى كنيته . والثالث أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات
لهب وافقت حاله كنيته فكان جديرا بأن يذكر بها ، ويقال أبو لهب كما يقال أبو الشر للشرير وأبو الخير للخير ،
وكما كنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا المهلب أبا صفرة بصفرة وجهه . وقيل كني بذلك لتلهب وجنتيه
وإشراقهما فيجوز أن يذكر بذلك تهكما به وبافتخاره بذلك . وقرئ أبي لهب بالسكون وهو من تغيير الأعلام
كقولهم شمس بن مالك بالضم ( ما أغنى ) استفهام في معنى الإنكار ومحله النصب أو نفي ( وما كسب ) مرفوع
وما موصولة أو مصدرية بمعنى ومكسوبه أو وكسبه ، والمعنى : لم ينفعه ماله وما كسب بماله : يعني رأس المال
والأرباح ، أو ماشيته وما كسب من نسلها منافعها وكان ذا سابياء ، أو ماله الذي ورثه من أبيه والذي كسبه
بنفسه أو ماله التالد والطارف . وعن ابن عباس : ما كسب ولده . وحكي أن بني أبي لهب احتكموا إليه فاقتتلوا
فقام يحجز بينهم ، فدفعه بعضهم فوقع فغضب فقال : أخرجوا عني الكسب الخبيث . ومنه قوله عليه الصلاة
والسلام " إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه " وعن الضحاك : ما ينفعه ماله وعمله الخبيث :
يعني كيده في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن قتادة : عمله الذي ظن أنه منه على شئ كقوله - وقدمنا
إلى ما عملوا من عمل - روي أنه كان يقول : إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي