تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
( ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا . فسبح بحمد ربك واستغفره )
شرح
والإظهار على العدو ومنه نصر الله الأرض غاثها ، والفتح فتح البلاد ، والمعنى : نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على العرب أو على قريش وفتح مكة . وقيل جنس نصر الله للمؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم ، وكان فتح مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب ، وأقام بها خمس عشرة ليلة ثم خرج إلى هوازن ، وحين دخلها وقف على باب الكعبة ثم قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ثم قال : يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان الله تعالى أمكنه من رقابهم عنوة وكانوا له فيئا ، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء ثم بايعوه على الإسلام ( في دين الله ) في ملة الإسلام التي لا دين له يضاف إليه غيرها " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه " ( أفواجا ) جماعات كثيفة ، كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا يدخلون فيه واحدا واحدا واثنين اثنين . وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه بكى ذات يوم فقيل له ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " دخل الناس في دين الله أفواجا وسيخرجون منه أفواجا " وقيل أراد بالناس أهل اليمن . قال أبو هريرة " لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر ، جاء نصر الله والفتح وجاء أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم ، الإيمان والفقه يمان والحكمة يمانية ، وقال : أجد نفير ربكم من قبل اليمن " وعن الحسن لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا : أما إذا ظفر بأهل الحرم فليس به يدان ، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل وعن كل من أرادهم ، فكانوا يدخلون في الإسلام أفواجا من غير قتال . وقرأ ابن عباس فتح الله والنصر . وقرئ يدخلون على البناء للمفعول . فإن قلت : ما محل يدخلون ؟ قلت : النصب إما على الحال على أن رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت أو هو مفعول ثان على أنه بمعنى علمت ( فسبح بحمد ربك ) فقل سبحان الله حامدا له : أي فتعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببالك وبال أحد من أن يغلب أحد على أهل الحرم واحمده على صنعه ، أو فاذكره مسبحا حامدا زيادة في عبادته والثناء عليه لزيادة إنعامه عليك أو فصل له . روت أم هانئ " أنه لما فتح باب الكعبة صلى صلاة الضحى ثماني ركعات " وعن عائشة " كان عليه الصلاة والسلام يكثر قبل موته أن يقول : سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك " . والأمر بالاستغفار مع التسبيح تكميل للأمر بما هو قوام أمر الدين من الجمع بين الطاعة والاحتراس من المعصية وليكون أمره بذلك مع عصمته لطفا لأمته ، ولأن الاستغفار من التواضع لله وهضم النفس فهو عبادة في نفسه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " إني لأستغفر في اليوم والليلة مائة مرة " وروي " أنه لما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه استبشروا وبكى العباس ، فقال صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك يا عم ؟ قال : نعيت إليك نفسك ، قال : إنها لكما تقول " فعاش بعدها سنتين لم ير فيهما ضاحكا مستبشرا . وقيل إن ابن عباس هو الذي قال ذلك ، فقال رسول
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 294 | الزمخشري