تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون . وإذا كالوهم أو وزنوهم
شرح
قيل يا رسول الله وما خمس بخمس ؟ قال : ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم ، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر ، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر " وعن علي رضي الله عنه أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح ، فقال له : أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت ، كأنه أمره بالتسوية أولا ليعتادها ويفصل الواجب من النفل . وعن ابن عباس " إنكم معشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم : المكيال ، والميزان " وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل والوزن جميعا ، وكانا مفرقين في الحرمين ، كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون . وعن ابن عمر : أنه كان يمر بالبائع فيقول له : اتق الله وأوف الكيل ، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى إن العرق ليلجمهم . وعن عكرمة : أشهد أن كل كيال ووزان في النار ، فقيل له : إن ابنك كيال أو وزان ، فقال أشهد أنه في النار . وعن أبي رضي الله عنه " لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين " . لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم ويتحامل فيه عليهم أبدل على مكان من للدلالة على ذلك . ويجوز أن يتعلق على بيستوفون ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية : أي يستوفون على الناس خاصة ، فأما أنفسهم فيستوفون لها . وقال الفراء : من وعلى يعتقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه ، فإذا قال اكتلت عليك فكأنه قال أخذت ما عليك ، وإذا قال اكتلت منك فكقوله - استوفيت منك - والضمير في ( كالوهم أو وزنوهم ) ضير منصوب راجع إلى الناس ، وفيه وجهان : أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذف الجار وأوصل الفعل كما قال : ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا * ولقد نهيتك عن بنات الأوبر والحريص يصيدك لا الجواد ، بمعنى جنيت لك ويصيد لك ، وأن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، والمضاف هو المكيل أو الموزون ، ولا يصح أن يكون ضميرا مرفوعا للمطففين لان الكلام يخرج به إلى نظم فاسد ، وذلك أن المعنى إذا أخذوا من الناس استوفوا وإذا أعطوهم أخسروا ، وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك إذا أخذوا من الناس استوفوا وإن تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا ، وهو كلام متنافر لان الحديث واقع في الفعل لا في المباشر ، والتعلق في إبطاله بخط المصحف وأن الألف التي
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 230 | الزمخشري