تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
خلقك فسواك فعدلك . في أي صورة ما شاء ركبك . كلا بل تكذبون بالدين . وإن عليكم لحافظين . كراما كاتبين . يعلمون ما تفعلون . إن الأبرار لفى نعيم . وإن
شرح
الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أولا وهو متفضل عليك آخرا حتى ورطه ، وقيل للفضيل بن عياض : إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك ما غرك بربك الكريم ماذا تقول ؟ قال : أقول غرتني ستورك المرخاة ، وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ في الاغترار بالستر وليس باعتذار كما يظنه الطماع وبطن به قصاص الحشوية ، ويروون عن أئمتهم إنما قال بربك الكريم دون سائر صفاته ليلقن عبده الجواب حتى يقول غرني كرم الكريم . وقرأ سعيد ابن جبير : ما أغرك ، إما على التعجب وإما على الاستفهام من قولك غر الرجل فهو غار إذا غفل من قولك بيتهم العدو وهم غارون وأغره غيره جعله غارا ( فسواك ) فجعلك سويا سالم الأعضاء ( فعدلك ) فصيرك معتدلا متناسب الخلق من غير تفاوت فيه فلم يجعل إحدى اليدين أطول ولا إحدى العينين أوسع ، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود ، ولا بعض الشعر فاحما وبعضه أشقر ، أو جعلك معتدل الخلق تمشى قائما لا كالبهائم . وقرئ فعدلك بالتخفيف ، وفيه وجهان : أحدهما أن يكون بمعنى المشدد : أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت ، والثاني فعدلك فصرفك ، يقال عدله عن الطريق يعنى فعدلك عن خلقة غيرك وخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق ، أو فعدلك إلى بعض الاشكال والهيئات . " ما " في ( ما شاء ) مزيدة : أي ركبك في أي صورة اقتضتها مشيئته وحكمته من الصور المختلفة في الحسن والقبح والطول والقصر والذكورة والأنوثة والشبه ببعض الارقاب وخلاف الشبه . فإن قلت : هلا عطفت هذه الجملة كما عطف ما قبلها ؟ قلت : لأنها بيان لعدلك . فإن قلت : بم يتعلق الجار ؟ قلت : يجوز أن يتعلق بركبك على معنى وضعك في بعض الصور ومكنك فيه ، وبمحذوف : أي ركبك حاصلا في بعض الصور ومحله النصب على الحال إن علق بمحذوف . ويجوز أن يتعلق بعدلك ويكون في أي معنى التعجب : أي فعدلك في صورة عجيبة ثم قال - ما شاء ركبك - أي ركبك ما شاء من التراكيب يعنى تركيبا حسنا ( كلا ) ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله والتسلق به وهو موجب الشكر والطاعة إلى عكسهما الذي هو الكفر والمعصية . ثم قال ( بل تكذبون بالدين ) أصلا وهو الجزاء أو دين الاسلام فلا تصدقون ثوابا ولا عقابا وهو شر من الطمع المنكر ( وإن عليكم لحافظين ) تحقيق لما يكذبون به من الجزاء : يعنى أنكم تكذبون بالجزاء والكاتبون يكتبون عليكم أعمالكم لتجازوا بها . وفى تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء وأنه عند الله من جلائل الأمور ، ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه ويجازى به الملائكة الكرام الحفظة الكتبة ، وفيه إنذار وتهويل تشوير للعصاة ولطف للمؤمنين . وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال : ما أشدها من آية على الغافلين