خلقك فسواك فعدلك . في أي صورة ما شاء ركبك . كلا بل تكذبون بالدين . وإن
عليكم لحافظين . كراما كاتبين . يعلمون ما تفعلون . إن الأبرار لفى نعيم . وإن
شرح
الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أولا وهو متفضل عليك آخرا حتى ورطه ، وقيل للفضيل بن عياض : إن
أقامك الله يوم القيامة وقال لك ما غرك بربك الكريم ماذا تقول ؟ قال : أقول غرتني ستورك المرخاة ، وهذا على
سبيل الاعتراف بالخطأ في الاغترار بالستر وليس باعتذار كما يظنه الطماع وبطن به قصاص الحشوية ، ويروون
عن أئمتهم إنما قال بربك الكريم دون سائر صفاته ليلقن عبده الجواب حتى يقول غرني كرم الكريم . وقرأ سعيد
ابن جبير : ما أغرك ، إما على التعجب وإما على الاستفهام من قولك غر الرجل فهو غار إذا غفل من قولك بيتهم
العدو وهم غارون وأغره غيره جعله غارا ( فسواك ) فجعلك سويا سالم الأعضاء ( فعدلك ) فصيرك معتدلا متناسب
الخلق من غير تفاوت فيه فلم يجعل إحدى اليدين أطول ولا إحدى العينين أوسع ، ولا بعض الأعضاء أبيض
وبعضها أسود ، ولا بعض الشعر فاحما وبعضه أشقر ، أو جعلك معتدل الخلق تمشى قائما لا كالبهائم . وقرئ فعدلك
بالتخفيف ، وفيه وجهان : أحدهما أن يكون بمعنى المشدد : أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت ،
والثاني فعدلك فصرفك ، يقال عدله عن الطريق يعنى فعدلك عن خلقة غيرك وخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر
الخلق ، أو فعدلك إلى بعض الاشكال والهيئات . " ما " في ( ما شاء ) مزيدة : أي ركبك في أي صورة اقتضتها
مشيئته وحكمته من الصور المختلفة في الحسن والقبح والطول والقصر والذكورة والأنوثة والشبه ببعض الارقاب
وخلاف الشبه . فإن قلت : هلا عطفت هذه الجملة كما عطف ما قبلها ؟ قلت : لأنها بيان لعدلك . فإن قلت :
بم يتعلق الجار ؟ قلت : يجوز أن يتعلق بركبك على معنى وضعك في بعض الصور ومكنك فيه ، وبمحذوف :
أي ركبك حاصلا في بعض الصور ومحله النصب على الحال إن علق بمحذوف . ويجوز أن يتعلق بعدلك ويكون
في أي معنى التعجب : أي فعدلك في صورة عجيبة ثم قال - ما شاء ركبك - أي ركبك ما شاء من التراكيب يعنى
تركيبا حسنا ( كلا ) ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله والتسلق به وهو موجب الشكر والطاعة إلى عكسهما الذي
هو الكفر والمعصية . ثم قال ( بل تكذبون بالدين ) أصلا وهو الجزاء أو دين الاسلام فلا تصدقون ثوابا ولا عقابا
وهو شر من الطمع المنكر ( وإن عليكم لحافظين ) تحقيق لما يكذبون به من الجزاء : يعنى أنكم تكذبون بالجزاء
والكاتبون يكتبون عليكم أعمالكم لتجازوا بها . وفى تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء وأنه عند الله من
جلائل الأمور ، ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه ويجازى به الملائكة الكرام الحفظة الكتبة ، وفيه إنذار
وتهويل تشوير للعصاة ولطف للمؤمنين . وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال : ما أشدها من آية على الغافلين