تعرف في وجوههم نضرة النعيم . يسقون من رحيق مختوم . ختامه مسك وفى
ذلك فليتنافس المتنافسون . ومزاجه من تسنيم . عينا يشرب بها المقربون .
إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون . وإذا مروا بهم يتغامزون . وإذا
انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين . إذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون . وما أرسلوا
عليهم حافظين . فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون . على الأرائك ينظرون .
هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون .
شرح
( نضرة النعيم ) بهجة التنعم وماءه ورونقه كما ترى في وجوه الأغنياء وأهل الترفه ، وقرئ تعرف على البناء للمفعول
ونضرة النعيم بالرفع . الرحيق الشراب الخالص الذي لا غش فيه ( مختوم ) تختم أوانية من الأكواب والأباريق بمسك
مكان الطينة ، وقيل ( ختامه مسك ) مقطعه رائحة مسك إذا شرب . وقيل يمزج بالكافور ويختم مزاجه بالمسك ،
وقرئ خاتمه بفتح التاء وكسرها : أي ما يختم به ويقطع ( فليتنافس المتنافسون ) فليرتقب المرتقبون ( تسنيم ) علم لعين
بعينها سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذ رفعه ، إما لأنها أرفع شراب في الجنة ، وإما لأنها تأتيهم من فوق
على ما روى أنها تجرى في الهواء متسنمة فتنصب في أوانيهم . و ( عينا ) نصب على المدح ، وقال الزجاج : نصب
على الحال . وقيل هي للمقربين يشربونها صرفا وتمزج لسائر أهل الجنة . هم مشركو مكة أبو جهل والوليد بن
المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم ، كانوا يضحكون من عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين
ويستهزئون بهم . وقيل جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا
وتغامزوا ، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا : رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه ، فنزلت قبل أن يصل على إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يتغامزون ) يغمز بعضهم بعضا ويشيرون بأعينهم ( فكهين ) ملتذين بذكرهم
والسخرية منهم : أي ينسبون المسلمين إلى الضلال ( وما أرسلوا ) على المسلمين ( حافظين ) موكلين بهم يحفظون
عليهم أحوالهم ويهيمنون على أعمالهم ويشهدون برشدهم وضلالهم وهذا تهكم بهم ، أو هو من جملة قول الكفار وأنهم
إذا رأوا المسلمين قالوا - إن هؤلاء لضالون - وأنهم لم يرسلوا عليهم حافظين إنكارا لصدهم إياهم عن الشرك
ودعائهم إلى الاسلام وجدهم في ذلك ( على الأرائك ينظرون ) حال من يضحكون : أي يضحكون منهم ناظرين
إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر ، ومن ألوان العذاب بعد النعيم والترفه وهم على الأرائك
آمنون . وقيل يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم اخرجوا إليها فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم يفعل ذلك بهم مرارا
فيضحك المؤمنون منهم . ثوبه وأثابه بمعنى إذا جازاه ، قال أوس :
سأجزيك أو يجزيك عنى مثوب * وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي
وقرئ بإدغام اللام في الثاء . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة المطففين سقاه الله من الرحيق
المختوم يوم القيامة " .