فإن الجحيم هي المأوى . وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى . فإن الجنة
هي المأوى . يسألونك عن الساعة أيان مرساها . فيم أنت من ذكراها . إلى ربك
منتهاها . إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية
أو ضحاها .
شرح
لما علم أن الطاغي هو صاحب المأوى وأنه لا يغض الرجل طرف غيره تركت الإضافة ، ودخول حرف التعريف
في المأوى والطرف للتعريف لأنهما معروفان ، و ( هي ) فصل أو مبتدأ ( ونهى النفس ) الامارة بالسوء ( عن
الهوى ) المردي وهو اتباع الشهوات وزجرها عنه وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخير . وقيل الآيتان
نزلتا في أبى عزير بن عمير ومصعب بن عمير ، وقد قتل مصعب أخاه أبا عزير يوم أحد ، ووقى رسول الله صلى
الله عليه وسلم بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه ( أيان مرساها ) متى إرساؤها : أي إقامتها أرادوا متى يقيمها
الله ويثبتها ويكونها . وقيل أيان منتهاها ومستقرها كما أن مرسى السفينة مستقرها حيث تنتهي إليه ( فيم أنت ) في
أي شئ أنت من أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم به : يعنى ما أنت من ذكرها لهم وتبيين وقتها في شئ . وعن عائشة
رضي الله عنها " لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت " فهو على هذا تعجب
من كثرة ذكره لها كأنه قيل : في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها ، والمعنى : أنهم يسألونك عنها
فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها . ثم قال ( إلى ربك منتهاها ) أي منتهى علمها لم يؤت علمها أحدا
من خلقه . وقيل فيم إنكار لسؤالهم : أي فيم هذا السؤال ثم قيل أنت من ذكراها : أي إرسالك وأنت خاتم الأنبياء
وآخر الرسل المبعوث في نسم الساعة ذكر من ذكرها وعلامة من علاماتها ، فكفاهم بذلك دليلا على دنوها
ومشارفتها ووجوب الاستعداد لها ولا معنى لسؤالهم عنها ( إنما أنت منذر من يخشاها ) أي لم تبعث لتعلمهم بوقت
الساعة الذي لا فائدة لهم في علمه ، وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يكون إنذارك لطفا له في الخشية منها . وقرئ
منذر بالتنوين وهو الأصل والإضافة تخفيف وكلاهما يصلح للحال والاستقبال ، فإذا أريد الماضي فليس إلا
الإضافة كقولك هو منذر زيد أمس . أي كأنهم لم يلبسوا في الدنيا ، وقيل في القبول ( إلا عشية أو ضحاها ) .