تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
فأراه الآية الكبرى . فكذب وعصى . ثم أدبر يسعى . فحشر فنادى . فقال أنا ربكم الاعلى . فأخذه الله نكال الآخرة والأولى . إن في ذلك لعبرة لمن يخشى . أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها . رفع سمكها فسواها . وأغطش ليلها وأخرج ضحاها .
شرح
العرض كما يقول الرجل لضيفه هل لك أن تنزل بنا ، وأردفه الكلام الرفيق ليستدعيه بالتلطف في القول ويستنزله بالمداراة من عتوه كما أمر قوله - فقولا له قولا لينا - ( الآية الكبرى ) قلب العصا حية لأنها كانت المقدمة ، والأصل والأخرى كالتبع لها لأنه كان يتقيها بيده ، فقيل له أدخل يدك في جيبك ، أو أرادهما جميعا إلا أنه جعلهما واحدة لان الثانية كأنها من جملة الأولى لكونها تابعة لها ( فكذب ) بموسى والآية الكبرى وسماهما ساحرا وسحرا ( وعصى ) الله تعالى بعد ما علم صحة الامر وأن الطاعة قد وجبت عليه ( ثم أدبر يسعى ) أي لما رأى الثعبان أدبر مرعوبا يسعى يسرع في مشيته . قال الحسن : كان رجلا طياشا خفيفا ، أو تولى عن موسى يسعى ويجتهد في مكايدته ، أو أريد ثم أقبل يسعى كما تقول أقبل فلان يفعل كذاب بمعنى أنشأ يفعل ، فوضع أدبر موضع أقبل لئلا يوصف بالاقبال ( فحشر ) فجمع السحرة كقوله - فأرسل فرعون في المدائن حاشرين - ( فنادى ) في المقام الذي اجتمعوا فيه معه أو أمر مناديا فنادى في الناس بذلك . وقيل قام فيهم خطيبا فقال تلك العظيمة . وعن ابن عباس : كلمته الأولى - ما علمت لكم من إله غيري - والآخرة - أنا ربكم الاعلى - ( نكال ) هو مصدر مؤكد كوعد الله وصبغة الله كأنه قيل نكل الله به - نكال الآخرة والأولى - والنكال بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم : يعنى الاغراق في الدنيا والاحراق في الآخرة . وعن ابن عباس : نكال كلمتيه الآخرة وهى قوله - أنا ربكم الاعلى - والأولى وهى قوله - ما علمت لكم من إله غيره - وقيل كان بين الكلمتين أربعون سنة ، وقيل عشرون . الخطاب لمنكري البعث : يعين ( أأنتم ) أصعب ( خلقا ) وإنشاء ( أم السماء ) ثم بين كيف خلقها فقال ( بناها ) ثم بين البناء فقال ( رفع سمكها ) أي جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديدا رفيعا مسيرة خمسمائة عام ( فسواها ) فعدلها مستوية ملساء ليس فيها تفاوت ولا فطور ، أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها من قولك سوى فلان أمر فلان . غطش الليل وأغطشه الله كقولك ظلم وأظلمه ، ويقال أغطش الليل كما يقال أظلم ( وأخرج ضحاها ) وأبرز ضوء شمسها يدل عليه قوله تعالى - والشمس وضحاها - يريد وضوئها . وقولهم وقت الضحى للوقت الذي تشرق فيه الشمس ويقوم سلطانها ، وأضيف الليل والشمس إلى السماء لان الليل ظلها والشمس هي السراج المثقب في جوها