والأرض بعد ذلك دحاها . أخرج منها ماءها ومرعاها . والجبال أرساها . متاعا
لكم ولأنعامكم . فإذا جاءت الطامة الكبرى . يوم يتذكر الانسان ما سعى . برزت
الجحيم لمن يرى . فأما من طغى . وآثر الحياة الدنيا .
شرح
( ماءها ) عيونها المتفجرة بالماء ( ومرعاها ) ورعيها وهو في الأصل موضع الرعى ، ونصب الأرض والجبال بإضمار دحا
وأرسى وهو الاضمار على شريطة التفسير . وقرأ الحسن هما مرفوعين على الابتداء فإن قلت : هلا أدخل حرف
العطف على أخرج ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يكون معنى دحاها بسطها ومهدها للسكنى ، ثم فسر التمهيد
بما لابد منه في تأتى سكناها من تسوية أمر المأكل والمشرب وإمكان القرار عليها والسكون بإخراج الماء والمرعى
وإرساء الجبال وإثباتها أوتادا لها حتى تستقر ويستقر عليها . والثاني أن يكون أخرج حالا بإضمار قد كقوله - أو
جاءوكم حصرت صدورهم - وأراد بمرعاها ما يأكل الناس والانعام ، واستعير الرعى للانسان كما أستعير الرتع
في قوله - نرتع ونلعب - وقرئ نرتع من الرعى ، ولهذا قيل دل الله سبحانه بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به
ويتمتع مما يخرج من الأرض حتى الملح لأنه من الماء ( متاعا لكم ) فعل ذلك تمتيعا لكم ( ولأنعامكم ) لان منفعة
ذلك التمهيد واصلة إليهم وإلى أنعامهم ( الطامة ) الداهية التي تطم على الدواهي : أي تعلو وتغلب ، وفى أمثالهم
جرى الوادي فطم على القرى وهى القيامة لطمومها على كل هائلة . وقيل هي النفخة الثانية ، وقيل الساعة التي
تساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ( يوم يتذكر ) بدل من إذا جاءت : يعنى إذا رأى أعماله مدونة
في كتابه تذكرها وكان قد نسيها كقوله - أحصاه الله ونسوه - . وما في ( ما سعى ) موصولة أو مصدرية ( برزت )
أظهرت ، وقرأ أبو نهيك وبرزت ( لمن يرى ) للرائين جميعا : أي لكل أحد : يعنى أنها تظهر إظهارا بينا مكشوفا
يراها أهل الساهرة كلهم كقوله : قد بين الصبح لذي عينين ، يريد لكل من له بصر ، وهو مثل في الامر المنكشف
الذي لا يخفى على أحد . وقرأ ابن مسعود لمن رأى ، وقرأ عكرمة لمن ترى ، والضمير للجحيم كقوله - إذا رأتهم من
مكان بعيد - وقيل لمن ترى يا محمد ( فأما ) جواب فإذا : أي فإذا جاءت الطامة فإن الامر كذلك ، والمعنى : فإن
الجحيم مأواه ، كما تقول للرجل : غض الطرف ، تريد طرفك ، وليس الألف واللام بدلا من الإضافة ولكن