وذللت قطوفها تذليلا . ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا .
قواريرا من فضة قدروها تقديرا . ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا . عينا فيها
تسمى سلسبيلا .
شرح
لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ، والحال أن ظلالها دانية عليهم . ويجوز أن تجعل متكئين ولا يرون ودانية كلها
صفات الجنة . ويجوز أن يكون ودانية معطوفة على جنة : أي وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها على أنهم وعدوا
جنتين كقوله - ولمن خاف مقام ربه جنتان - لأنهم وصفوا بالخوف - إنا نخاف من ربنا - فإن قلت : فعلام عطف
( وذللت ) ؟ قلت : هي إذا رفعت ودانية جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية ، وإذا نصبتها على الحال فهي حال
من دانية : أي تدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوفها لهم ، أو معطوفة عليها على ودانية عليهم ظلالها ومذللة قطوفها
وإذا نصبت ودانية على الوصف فهي صفة مثلها ، ألا ترى أنك لو قلت جنة ذللت قطوفها كان صحيحا ، وتذليل
القطوف أن تجعل ذللا لا تمتنع على قطافها كيف شاءوا ، أو تجعل ذليلة لهم خاضعة متقاصرة من قولهم حائط ذليل
إذا كان قصيرا ( قوارير قوارير ) قرئا غير منونين وبتنوين الأول وبتنوينهما وهذا التنوين بدل من ألف الاطلاق
لأنه فاصلة ، وفى الثاني لاتباعه الأول ، ومعنى قوارير من ( فضة ) أنها مخلوقة من فضة وهى مع بياض الفضة
وحسنها في صفاء القوارير وشفيفها . فإن قلت : ما معنى كان ؟ قلت : هو من يكون في قوله - كن فيكون : أي
تكونت قوارير بتكوين الله تفخيما لتلك الخلقة العجيبة الشأن الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين ومنه كان
في قوله - كان مزاجها كافورا - وقرئ قوارير من فضة بالرفع على هي قوارير ( قدروها ) صفة لقوارير من فضة ،
ومعنى تقديرهم لها أنهم قدروها في أنفسهم أن تكون على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم فجاءت كما
قدروا ، وقيل الضمير للطائفين بها دل عليهم قوله - ويطاف عليهم - على أنهم قدروا شرابها على قدر الري وهو
ألذ للشارب لكونه على مقدار حاجته لا يفضل عنها ولا يعجز . وعن مجاهد : لا تفيض ولا تغيض . وقرئ قدروها
على البناء للمفعول ووجهه أن يكون من قدر منقولا من قدر تقول قدرت الشئ وقدرنيه فلان : إذا جعلك
قادرا له ، ومعناه : جعلوا قادرين لها كما شاءوا وأطلق لهم أن يقدروا على حسب ما اشتهوا . سميت العين زنجبيلا
لطعم الزنجبيل والعرب تستلذه وتستطيبه ، قال الأعشى :
كأن القرنفل والزنجبيل * باتا بفيها وأريا مشورا
وقال المسيب بن علس :
وكأن طعم الزنجبيل به * إذ ذقته وسلافة الخمر
و ( سلسبيلا ) لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها ، يعنى أنها في طعم الزنجبيل وليس فيها لذعة ،
ولكن نقيض اللذع وهو السلاسة ، يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل ، وقد زيدت الباء في التريب حتى
صارت الكلمة خماسية ودلت على غاية السلاسة . قال الزجاج : السلسبيل في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة .
وقرئ سلسبيل على منع الصرف لاجتماع العلمية والتأنيث . وقد عزوا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن
معناه : سل سبيلا إليها ، وهذا غير مستقيم على ظاهره ، إلا أن يراد أن جملة قول القائل سل سبيلا جعلت علما