تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
وذللت قطوفها تذليلا . ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا . قواريرا من فضة قدروها تقديرا . ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا . عينا فيها تسمى سلسبيلا .
شرح
لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ، والحال أن ظلالها دانية عليهم . ويجوز أن تجعل متكئين ولا يرون ودانية كلها صفات الجنة . ويجوز أن يكون ودانية معطوفة على جنة : أي وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها على أنهم وعدوا جنتين كقوله - ولمن خاف مقام ربه جنتان - لأنهم وصفوا بالخوف - إنا نخاف من ربنا - فإن قلت : فعلام عطف ( وذللت ) ؟ قلت : هي إذا رفعت ودانية جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية ، وإذا نصبتها على الحال فهي حال من دانية : أي تدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوفها لهم ، أو معطوفة عليها على ودانية عليهم ظلالها ومذللة قطوفها وإذا نصبت ودانية على الوصف فهي صفة مثلها ، ألا ترى أنك لو قلت جنة ذللت قطوفها كان صحيحا ، وتذليل القطوف أن تجعل ذللا لا تمتنع على قطافها كيف شاءوا ، أو تجعل ذليلة لهم خاضعة متقاصرة من قولهم حائط ذليل إذا كان قصيرا ( قوارير قوارير ) قرئا غير منونين وبتنوين الأول وبتنوينهما وهذا التنوين بدل من ألف الاطلاق لأنه فاصلة ، وفى الثاني لاتباعه الأول ، ومعنى قوارير من ( فضة ) أنها مخلوقة من فضة وهى مع بياض الفضة وحسنها في صفاء القوارير وشفيفها . فإن قلت : ما معنى كان ؟ قلت : هو من يكون في قوله - كن فيكون : أي تكونت قوارير بتكوين الله تفخيما لتلك الخلقة العجيبة الشأن الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين ومنه كان في قوله - كان مزاجها كافورا - وقرئ قوارير من فضة بالرفع على هي قوارير ( قدروها ) صفة لقوارير من فضة ، ومعنى تقديرهم لها أنهم قدروها في أنفسهم أن تكون على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم فجاءت كما قدروا ، وقيل الضمير للطائفين بها دل عليهم قوله - ويطاف عليهم - على أنهم قدروا شرابها على قدر الري وهو ألذ للشارب لكونه على مقدار حاجته لا يفضل عنها ولا يعجز . وعن مجاهد : لا تفيض ولا تغيض . وقرئ قدروها على البناء للمفعول ووجهه أن يكون من قدر منقولا من قدر تقول قدرت الشئ وقدرنيه فلان : إذا جعلك قادرا له ، ومعناه : جعلوا قادرين لها كما شاءوا وأطلق لهم أن يقدروا على حسب ما اشتهوا . سميت العين زنجبيلا لطعم الزنجبيل والعرب تستلذه وتستطيبه ، قال الأعشى : كأن القرنفل والزنجبيل * باتا بفيها وأريا مشورا وقال المسيب بن علس : وكأن طعم الزنجبيل به * إذ ذقته وسلافة الخمر و ( سلسبيلا ) لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها ، يعنى أنها في طعم الزنجبيل وليس فيها لذعة ، ولكن نقيض اللذع وهو السلاسة ، يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل ، وقد زيدت الباء في التريب حتى صارت الكلمة خماسية ودلت على غاية السلاسة . قال الزجاج : السلسبيل في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة . وقرئ سلسبيل على منع الصرف لاجتماع العلمية والتأنيث . وقد عزوا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن معناه : سل سبيلا إليها ، وهذا غير مستقيم على ظاهره ، إلا أن يراد أن جملة قول القائل سل سبيلا جعلت علما