بل يحبون العاجلة . ويذرون الآخرة . وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة . ووجوه
يومئذ باسرة . تظن أن يفعل بها فاقرة . كلا إذا بلغت
شرح
الأناة والتؤدة ، وقد بالغ في ذلك باتباعه قوله ( بل تحبون العاجلة ) كأنه قال : بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتم من
عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شئ ومن ثم تحبون العاجلة ( وتذرون الآخرة ) وقرئ بالياء وهو أبلغ . فإن
قلت : كيف اتصل قوله - لاتحرك به لسانك - إلى آخره بذكر القيامة ؟ قلت : اتصاله به من جهة هذا التخلص
منه إلى التوبيخ بحب العاجلة ، وترك الاهتمام بالآخرة . الوجه عبارة عن الجملة . والناظرة من نضرة النعيم ( إلى ربها
ناظرة ) تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره ، وهذا معنى تقديم المفعول ، ألا ترى إلى قوله ( إلى ربك يومئذ
المستقر - إلى ربك يومئذ المساق إلى الله تصير الأمور - وإلى الله المصير - وإليه ترجعون - عليه توكلت وإليه
أنيب ) كيف دل فيها التقديم على معنى الاختصاص ، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ولا تدخل
تحت العدد في محشر يجتمع فيه الخلائق كلهم ، فإن المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين لاخوف عليهم
ولا هم يحزنون ، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظورا إليه محال ، فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص
والذي يصح معه أن يكون من قول الناس أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بن تريد معنى التوقع والرجاء ، ومنه قول
القائل : وإذا نظرت إليك من ملك * والبحر دونك زدتني نعما
وسمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقايلهم تقول : عيينتى
نويظرة إلى الله وإليكم ، والمعنى : أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا
يرجون إلا إياه . والباسر : الشديد العبوس ، والباسل أشد منه ولكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحه ( تظن )
تتوقع ( أن يفعل بها ) فعل هو في شدته وفظاعته ( فاقرة ) داهية تقصم فقار الظهر كما توقعت الوجوه الناضرة أن
يفعل بها كل خير ( كلا ) ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة كأنه قيل ارتدعوا عن ذلك وتنبهوا على ما بين أيديكم
من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم وتتقلون إلى الأجلة التي تبقون فيها مخلدين . والضمير في ( بلغت )
للنفس وإن لم يجر لها ذكر لان الكلام الذي وقعت فيه يدل عليها كما قال حاتم :
أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر