والرجز فاهجر . ولا تمنن تستكثر . ولربك فاصبر . فإذا نقر في الناقور .
فذلك يومئذ يوم عسير . على الكافرين غير يسير . ذرني ومن خلقت وحيدا .
شرح
النجاسة . وقيل هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الافعال ويستهجن من العادات ، يقال فلان طاهر الثياب
وطاهر الجيب والذيل والاردان : إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ومدانس الأخلاق ، وفلان دنس الثياب
للغادر ذلك لان الثوب يالبس الانسان ويشتمل عليه فكنى به عنه ، ألا ترى إلى قولهم أعجبني زيد ثوبه كما
يقولون أعجبني زيد عقله وخلقه ، ويقولون المجد في ثوبه والكرم تحت حلته ، ولان الغالب أن من طهر باطنه
ونقاه عنى بتطهير الظاهر وتنقيته وأبى إلا اجتناب الخبث وإيثار الطهر في كل شئ ( والرجز ) قرئ بالكسر
والضم وهو العذاب ومعناه : اهجر ما يؤدى إليه من عبادة الأوثان وغيرها من المآثم ، والمعنى : الثبات على هجره
لأنه كان بريئا منه . قرأ الحسن : ولا تمن وتستكثر ، مرفوع منصوب المحل على الحال : أي ولا تعط مستكثرا
رائيا لما تعطيه كثيرا أو طالبا للكثير ، نهى عن الاستغزار وهو أن يهب شيئا وهو يطمع أن يتعوض من الموهوب
له أكثر من الموهوب وهذا جائز ، ومنه الحديث " المستغزر يثاب من هيته " وفيه وجهان : أحدهما أن يكون نهيا
خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم لان الله تعالى اختار له أشرف الآداب وأحسن الأخلاق . والثاني أن يكون
نهى تنزيه لا تحريم له ولامته . وقرأ الحسن تستكثر بالسكون وفيه ثلاثة أوجه : الابدال من تمنن كأنه قيل ولا تمنن
لا تستكثر على أنه من المن في قوله عز وجل - ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى - لان من شأن المنان بما يعطى أن
يستكثره : أي يراه كثيرا ويعتد به ، وأن يشبه ثرو بعضد فيسكن تخفيفا ، وأن يعتبر حال الوقف . وقرأ الأعمش
بالنصب بإضمار أن كقوله * ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى * وتؤيده قراءة ابن مسعود : ولا تمنن أن
تستكثر . ويجوز في الرفع أن تحذف أن ويبطل عملها كما روى أحضر الوغى بالرفع ( ولربك فاصبر ) ولوجه الله
فاستعمل الصبر ، وقيل على أذى المشركين ، وقيل على أداء الفرائض . وعن النخعي : على عطيتك ، كأنه وصله
بما قبله وجعله صبرا على العطاء من غير استكثار . والوجه أن يكون أمرا بنفس الفعل وأن يتناول على العموم كل
مصبور عليه ومصبور عنه ، ويراد الصبر على أذى الكفار لأنه أحد ما يتناوله العام . والفاء في قوله ( فإذا نقر )
للتسبيب كأنه قال إصبر على أذاهم فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى فيه عاقبة صبرك عليه . والفاء
في ( فلذلك ) للجزاء . فإن قلت : بم انتصب إذا وكيف صح أن يقع ( يومئذ ) ظرفا ليوم عسير ؟ قلت : انتصب
إذا بما دل عليه الجزاء ، لان المعنى فإذا نقر الناقور عسر الامر على الكافرين ، والذي أجاز وقوع يومئذ ظرفا
ليوم عسير أن المعنى : فذلك وقت النقر وقوع يوم عسير ، لان يوم القيامة يأتي ويقع حين ينقر في الناقور .
واختلف في أنها النفخة الأولى أم الثانية . ويجوز أن يكون يومئذ مبنيا مرفوع المحل بدلا من ذلك ، ويوم عسير
خبر كأنه قيل فيوم النقر يوم عسير . فإن قلت : فما فائدة قوله ( غير يسير ) وعسير مغن عنه ؟ قلت : لما قال على
الكافرين فقصر العسر عليهم قال غير يسير ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرا هينا ليجمع بين
وعيد الكافرين وزيادة غيظهم وبشارة المؤمنين وتسليتهم . ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيرا
كما يرجى تيسر العسير من أمور الدنيا ( وحيدا ) حال من الله عز وجل على معنيين : أحدهما ذرني وحدى معه
فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل منتقم . والثاني خلقته وحدى لم يشركني في خلقه أحد ، أو حال من المخلوق