تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور . ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم . ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غنى حميد . زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير . فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير .
شرح
الصورة سمج الخلقة تقتحمه العيون . قلت : لا سماجة ثم ، ولكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب ، فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بينا وإضافتها إلى الموفى عليها لا تستملح ، وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة عن حده ، ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها ولا ترى الدنيا بها ، ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن منها فينبو عن الأولى طرفك وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالك عليها ؟ وقالت الحكماء : شيئان لا غاية لهما : الجمال ، والبيان . نبه بعلمه ما في السماوات والأرض ، ثم بعلمه ما يسره العباد ويعلنونه ، ثم بعلمه ذوات الصدور أن شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه ولا عازب عنه ، فحقه أن يتقى ويحذر ولا يجترأ على شئ مما يخالف رضاه . وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد ، وكل ما ذكره بعد قوله تعالى - فمنكم كافر ومنكم مؤمن - كما ترى في معنى الوعيد على الكفر وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته ، فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق ويجعله من جملته ، والخلق أعظم نعمة من الله على عباده ، والكفر أعظم كفران من العباد لربهم ( ألم يأتكم ) الخطاب لكفار مكة و ( ذلك ) إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا وما أعد لهم من العذاب في الآخرة ( بأنه ) بأن الشأن والحديث ( كانت تأتيهم رسلهم . أبشر يهدوننا ) أنكروا أن تكون الرسل بشرا ولم ينكروا أن يكون الله حجرا ( واستغنى الله ) أطلق ليتناول كل شئ ومن جملته إيمانهم وطاعتهم . فإن قلت : قوله - وتولوا واستغنى الله - يوهم وجود التولي والاستغناء معا والله تعالى لم يزل غنيا . قلت : معناه وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك . الزعم ادعاء العلم ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " زعموا مطية الكذب " وعن شريح : لكل شئ كنية وكنية الكذب زعموا . ويتعدى إلى المفعولين تعدى العلم ، قال * ولم أزعمك عن ذاك معزلا * وأن مع ما في حيزه قائم مقامهما والذين كفروا أهل مكة و ( بلى ) إثبات لما بعد لن وهو البعث ( وذلك على الله يسير ) أي لا يصرفه عنه صارف . وعنى برسوله
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 114 | الزمخشري