السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور . ألم
يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم . ذلك
بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى
الله والله غنى حميد . زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن ثم
لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير . فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا
والله بما تعملون خبير .
شرح
الصورة سمج الخلقة تقتحمه العيون . قلت : لا سماجة ثم ، ولكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب ،
فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بينا وإضافتها إلى الموفى عليها لا تستملح ، وإلا فهي داخلة
في حيز الحسن غير خارجة عن حده ، ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها ولا ترى الدنيا بها ، ثم ترى
أملح وأعلى في مراتب الحسن منها فينبو عن الأولى طرفك وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالك عليها ؟
وقالت الحكماء : شيئان لا غاية لهما : الجمال ، والبيان . نبه بعلمه ما في السماوات والأرض ، ثم بعلمه ما يسره
العباد ويعلنونه ، ثم بعلمه ذوات الصدور أن شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه ولا عازب عنه ، فحقه
أن يتقى ويحذر ولا يجترأ على شئ مما يخالف رضاه . وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد ، وكل ما ذكره بعد قوله
تعالى - فمنكم كافر ومنكم مؤمن - كما ترى في معنى الوعيد على الكفر وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته ،
فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق ويجعله من جملته ، والخلق أعظم نعمة من الله على عباده ، والكفر أعظم كفران من
العباد لربهم ( ألم يأتكم ) الخطاب لكفار مكة و ( ذلك ) إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا وما أعد
لهم من العذاب في الآخرة ( بأنه ) بأن الشأن والحديث ( كانت تأتيهم رسلهم . أبشر يهدوننا ) أنكروا أن تكون
الرسل بشرا ولم ينكروا أن يكون الله حجرا ( واستغنى الله ) أطلق ليتناول كل شئ ومن جملته إيمانهم وطاعتهم .
فإن قلت : قوله - وتولوا واستغنى الله - يوهم وجود التولي والاستغناء معا والله تعالى لم يزل غنيا . قلت : معناه
وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك . الزعم ادعاء العلم ، ومنه قوله
عليه الصلاة والسلام " زعموا مطية الكذب " وعن شريح : لكل شئ كنية وكنية الكذب زعموا . ويتعدى إلى
المفعولين تعدى العلم ، قال * ولم أزعمك عن ذاك معزلا * وأن مع ما في حيزه قائم مقامهما والذين كفروا
أهل مكة و ( بلى ) إثبات لما بعد لن وهو البعث ( وذلك على الله يسير ) أي لا يصرفه عنه صارف . وعنى برسوله