إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم . فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا
وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . إن
تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم . عالم الغيب
والشهادة العزيز الحكيم .
شرح
يغفر لكم ذنوبكم ويكفر عنكم وقيل إن ناسا أرادوا الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم وأولادهم وقالوا :
تنطلقون وتضيعوننا فرقوا لهم ووقفوا ، فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين أرادوا
أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم فزين لهم العفو ، وقيل قالوا لهم : أين تذهبون وتدعون بلدكم وعشيرتكم وأموالكم
فغضبوا عليهم وقالوا : لئن جمعنا الله في دار الهجرة لم نصبكم بخير فلما هاجروا منعوهم الخير ، فحثوا أن يعفوا
عنهم ويردوا إليهم البر والصلة . وقيل كان عوف بن مالك الأشجعي ذا أهل وولد ، فإذا أراد أن يغزو تعلقوا به
وبكوا إليه ورققوه فكأنه هم بأذاهم فنزلت ( فتنة ) بلاء ومحنة لأنهم يوقعون في الإثم والعقوبة ولا بلاء أعظم
منهما ، ألا ترى إلى قوله ( والله عنده أجر عظيم ) وفى الحديث " يؤتى برجل يوم القيامة فيقال أكل عياله حسناته "
وعن بعض السلف : العيال سوس الطاعات ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه كان يخطب ، فجاء الحسن
والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان ، فنزل إليهما فأخذهما ووضعهما في حجره على المنبر فقال :
صدق الله - إنما أموالكم وأولادكم فتنة - رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما ثم أخذ في خطبته " وقيل إذا أمكنكم
الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد عنهما ( ما استطعتم ) جهدكم ووسعكم أي ابذلوا فيها
استطاعتكم ( واسمعوا ) ما توعظون به ( وأطيعوا ) فيما تؤمرون به وتنهون عنه ( وأنفقوا ) في الوجوه التي وجبت
عليكم النفقة فيها ( خيرا لأنفسكم ) نصب بمحذوف تقديره : ائتوا خيرا لأنفسكم وافعلوا ما هو خير لها وأنفع ،
وهذا تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر ، وبيان لأن هذه الأمور خير لأنفسكم من الأموال والأولاد وما أنتم
عاكفون عليه من حب الشهوات وزخارف الدنيا . وذكر القرض تلطف به في الاستدعاء ( يضاعفه لكم ) يكتب
لكم بالواحدة عشرا وسبعمائة إلى ما شاء من الزيادة ، وقرئ يضعفه ( شكور ) مجاز : أي يفعل بكم ما يفعل المبالغ
في الشكر من عظيم الثواب ، وكذلك ( حليم ) يفعل بكم ما يفعل من يحلم عن المسئ فلا يعاجلكم بالعقاب مع كثرة
ذنوبكم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة التغابن دفع عنه موت الفجأة " .